ألعراقُ إنجيل خالد ... والآشوريون سفر في ذلك الانجيل.

الذكرى التسعون لمذابح 1915

    د  :جميل حنا-
furkono



تمر الأيام والسنين والعقود بسرعة هائلة , وتتحول الأحداث والوقائع الى ذكرى عبر الزمن , منها ما يدخل في طي النسيان والبعض الأخر يبقى دائماً حياً حاضراً في العقول على مدى الدهور وعبر الأجيال .

وتتحول الأحداث إلى تاريخ محفور في أذهان الأجيال ويعيش الحدث التاريخي في الذاكرة الجماعية على مدى العصور وهكذا يعيش الحدث التاريخي في الحاضر.الذكرى التي نحن بصددها حفرت حضورها الدائم والمستمر في عقولنا وسلوكياتنا بالدم وبحياة مئات الآلاف من الشهداء الذين هدرت حياتهم لأجل الحفاظ على دينهم وقوميتهم وأرضهم، وبأنين الجرحة وعويل الأطفال وصراخ النساء و إستباح الأعراض , والأجساد  الممزقة بالخناجر والسيوف والمعاول والأجساد الحية التي كانت تلقي بالنار والرؤوس المقطوعة والأجساد التي كانت تمثل بها أبشع تمثيل وقوافل المهجرين في رحلتهم الأخيرة في طريق الجلجلة والأجساد المتناثرة في دروب الآلام و الموت الفظيع والأجساد المتراكمة في الوديان والآبار وبالألأم المشردين الذين نجو من المذبحة,وبكل ذرة من تراب الوطن التي سقيت بالدماء الطاهرة. ذكرى كل هؤلاء يخترق حدود الزمان والمكان . ضحايا أول مذبحة إبادة عرقية جماعية مخططة ومنظمة في التاريخ البشري ي على الإطلاق بهدف القضاء على الكيان القومي والدين للشعب الآشوري السرياني .

المذبحة الكبرى في 24 نيسان 1915 - 1919 لم تكن الوحيدة في تاريخ المذابح التي أرتكبت بحقنا وإنما كانت الأفظع من حيث الشمولية والبربرية والعدد الهائل من الشهداء . كانت هناك مجازر كثيرة قبل هذا التاريخ وبعده خلال القرنين الماضيين مجازر محمد الراوندوزي وبدر خان خلال النصف  الأول من القرن التاسع عشر وكذلك في نهاية القرن ذاته وأيضا بداية القرن العشرين ومجزرة سيميلى 1933 .كافة المذابح وجهت ضربات قاسية وأليمة لشعبنا الأعزل وخاصةً على يد الأفواج الحميدية العثمانية والزعامات الرجعية الكردية في طور عابدين وأمد ( ديار بكر ) وأورهوي وهكارى وأورميا . وبعد الانتهاء من الحرب الكونية الأولى قسم الوطن التاريخي لشعبنا بين كيان دول عديدة,وأستمر حملات التتريك والتكريد والتعريب تاريخياٍ وجغرافياً واجتماعيا . تسعون عاماً يواصل شعبنا ضمد الجراح النفسية والجسدية التي يشعر بها في أعماق ذاته من تأثير الأحاديث المروعة للناجين من  مهاول المذابح من الأباء والأجداد. والاضطهاد والتمييز والشهادة الدائمة التي لم تتوقف على أرض بلاد ما بين النهرين وخاصة على أرض العراق حيث يعيش شعبنا ظروف قاسية ويتعرض للاغتيال والخطف وتدمير الكنائس والتهديد المستمر للقضاء على كيانه القومي بشتى الوسائل المتاحة على يد قوى الغدر , وتمارس كافة الأساليب للسيطرة على أرضه التاريخية وممتلكاته. يمر نضال شعبنا بمنعطف تاريخي بالغ الأهمية وخاصةً في العراق ويكافح للدفاع عن وجوده القومي , وتحقيق الحكم الذاتي في أشور أرضه التاريخية من الآلاف السنين . ومازال شعبنا محروماً من كافة حقوقه الأساسية في كافة أماكن تواجده في ظل أوضاع خطيرة تعيشها المنطقة وشعبنا , وتتطل علينا ذكرى المذابح الأليمة التي تعرض شعبنا لها خلال الحرب العالمية الأولى , ولكننا أكثر أصرارً على العمل ومواجهة التحديات التي تستهدف القضاء على كياننا القومي وصهرنا في بوتقة الأكثرية من خلال الممارسات اللاديمقراطية والتمييز العنصري .أما على صعيد الداخلي لأبناء شعبنا فان ظروف الانقسام على ذاته يعرقل مسيرة التقدم وتحقيق الأهداف القومية , كما إن قصور النظر والضعف في المواقف القومية الجريئة لدى الكثير من مؤسسات شعبنا السياسية يخلق حالة اليأس لدى الكثيرين .

إن العمل السياسي الجاد الساعي لتحقيق طموحات شعبنا يواجه صعوبات وتحديات كثيرة منها الموضوعية والذاتية , ويزداد العمل تعقيداً بما يخص الاعتراف  بالمذابح  التي أقرتها ونفذتها السلطات العثمانية التركية , وخاصة  بعد اتخاذ برلمان اتحاد الدول الأوربية قراره ببدء المفاوضات لقبول تركيا عضواً في الاتحاد , هذا القرار الذي يعد نكسة لمبادئ الديمقراطية الغربية ويتناقض مع كل المواثيق الدولية التي تأكد على حرية الإنسان وتمتعه بكافة الحقوق الشخصية والدينية والقومية والسياسية والثقافية ولاقتصادية... الخ  . وشعبنا في الدولة التركية يعاني الحرمان من التمتع بهذه  الحقوق الأساسية التي أقرتها المعاهدات والمواثيق الدولية وغير معترف بكيانه القومي ولا تعترف بالمذابح التي ارتكبتها بحق شعبنا والشعوب الأخرى.ومن هنا يأتي استغرابنا من قرار برلمان اتحاد الدول الأوربية طالما شعبنا محروم من أبسط الحقوق  الواردة في دستور الاتحاد . إن الزام الدولة التركية بتغيير قوانينها وتطابقها مع نهج الدساتير في الدول الأوربية  مسألة في غاية الأهمية   لتضع الدولة التركية على المحك العملي بالتزامها بهذه  القيم الإنسانية وتطبيقها كافة البنود بدون استثناء والاعتراف بالمذابح .

إن تغيير القوانين مهم جداً ولكنه غير كافٍ الأهم من ذلك تغيير العقلية السائدة والمنطق ألبان تركي بان تركيا هي للأتراك وإزالة المبدأ الواحد والقومية الواحدة واللغة الواحدة  وان تغيير هذا المنهج الفكري والثقافي  والتاريخي لا يزول بمجرد تغيير القوانين وانما يحتاج الى عقود من الزمن ليتم التغيير الفعلي وذلك بتطبيق كافة القوانين المقرة في اتحاد الدول الأوربية وان يراقب الاتحاد الدولة التركية بالتزامها وتطبيقها الفعلي لهذه القوانين وبعد ذلك يتم قبول تركيا في البرلمان الأوربي إذا أرتئت التغيير الحاصل في الذهنية والتفكير التركي . ذكر الأحداث الأليمة للمذابح ليست كأي ذكرى أخرى  تخص شعبنا بل أنها ذكرى المأساة الكبرى إنها قضية الحياة والموت,إن إرادة الحياة لدى شعبنا كانت هي الأقوى مما أبتكره القتلة من أساليب الغدر والقتل والتشريد.  في 24 من نيسان كل عام تكون وقفة الإنسان الآشوري السرياني مع الحدث الأليم والإعلان  عن متابعة الكفاح لأجل استمرارية الحياة .

إن وقفة الذات الملتزمة بالقضايا القومية والمخلصة لدم الشهداء والتي قطعت العهد على نفسها بمتابعة الأمل , لكي لا يذهب دم الأبرياء هدرً وقفة مع الحدث نستعيد وقائع التاريخ لنستخلص الدروس اللازمة ونعمل سوياً بكل قوى عقلية وجسديا لأجل نيل اعتراف العالم بالمذابح تأتي ذكرى تسعون عاماً للمذابح في ظل أوضاع ومستجدات دولية في غاية التعقيد في منطقة الشرق الأوسط وخاصةً في العراق حيث يتعرض الشعب الآشوري السرياني لكافة الضغوطات لترك وطنه التاريخي والأمر الأخر هو القبول ببدء المحادثات في أكتوبر القادم لانضمام تركيا إلي اتحاد الدول الأوربية إذا استوفت بالشروط والمعايير المستوجبة وهذا الوضع الجديد يضعنا جميعاً في دائرة السباق مع الزمن كما يضعنا أمام مهام كثيرة لإنجازها في الوقت المناسب وإلا خسرنا وفقدنا كثيراً من حقوقنا القومية ونكون عرضةً للانصهار ضمن الكيان الشعوب الأكثر عدداً.

الأوضاع الجديدة تدفعنا بان تكون خطواتنا مدروسة بجدية أكثر وفاعلة ولتحقيق ذلك على مؤسسات شعبنا الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والأفراد القيام بفاعليات مشتركة على أسس وقواعد سليمة ومنظمة وتكون على مستوى الحدث التاريخي , والاستمرار بالعمل المكثف لرفع قضية المذابح الى المحافل الدولية وخاصةٍ إلى اتحاد البرلمان الأوربي حتى يتم الاعتراف بها وحث الدولة التركية على ذلك أيضاً . ولا يمكننا تحقيق ذلك إلا إذا وحدنا قوانا وصغنا معاً مطالبنا وأن نشترك جميعاً للقيام بفاعليات في الذكرى التسعون وفي السنوات القادمة أيضاً ولأن الزمن وعقارب الساعة لا تتوقف.

 فما علينا إلا أن نضع خلافتنا غير الجوهرية جانباً وأن نوحد قوانا لأنها ضرورة أساسية لنحافظ على بقائنا وتوحيد كافة القوى والجهود في إطار مؤسسة واحدة لتنظيم العمل وتسيير العمل بشكل فعال ومؤثر ليعطي نتائج إيجابية تخدم قضيتنا القومية . ولذا من المهام الأساسية المهمة وكما طرحتها منذ سنوات إنشاء معهد ( سيفو ) للدراسات يضم كافة مؤسسات شعبنا والأشخاص ذوي الاختصاص بقضية المذابح من أبناء شعبنا ومن المتضامنين معنا في العالم أجمع بدون استثناء ولتكن هذه المؤسسة بمثابة هيئة قانونية تملك صلاحيات تمثيل شعبنا بكافة تسميا ته أمام المحافل الدولية لنيل اعتراف العالم بالمذابح , وأن يعمل المعهد على جمع أرشيف كامل عن المذابح ( كتب كراريس مجلات أفلام صور أقوال شهود عيان..الخ ) إصدار نشرة دورية عن المذابح بأسم ( سيفو ومهام كثيرة أخرى مثل عقد المؤتمرات الدولية والمحلية وترتيب مسائل البحث العلمي والدعاية والإعلان والعمل السياسي والدبلوماسي والمالي .

أن المساهمة الفعالة من قبل مؤسسات شعبنا لإنجاح هذا المشروع القومي سيعمل على تحقيق مهام قومية مشتركة واحدة وسيعزز أواصر الوحدة بين أبناء الأمة الواحدة.إن تظافر جهود شعبنا وتوحيد قوانا الفكرية والجسدية كفيل بان يحقق الأهداف القومية. ولنحول يوم تاريخ المذابح الكبرى في 24 نيسان إلى يوم رمز وحدتنا القومية . وليكن عام 2005 سند فعالياتنا الموحدة بإشتراك وجهود كل مؤسسات شعبنا الدينية والدنيوية تحت لواء معهد ( سيفو ).

 

© 2005, Assyrian Democratic Movement-Patriotic Stream .  All Rights Reserved.
الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني
^ العودة إلى اعلى الصفحة