السريان وألكلدان و الاثوريين
هل هم أمة واحدة , بثلاث ثقافات أم ثلاث أمم , بثقافة واحدة
كتابات - ادورد
ميرزا
ألمثقف ... صفة تطلق على الانسان الذي يمتلك
قدرا من المعرفة التي ترتبط بحياة و نشاطات البشر المختلفة و المتنوعة , وهي
بهذا الوصف تعني رؤيا وموقف و تصرف بشري يسعى الجميع التمثل به , ولان الانسان
الطبيعي هو المجسد الحقيقي الوحيد على الارض و الناطق بها من خلال تعامله مع
مجمل هذه الثقافات بروح ودية تحترم كل الفعاليات الانسانية و بكل تنوعاتها
, لذلك فان ما يميز هذا الانسان كما اتصوره , سعيه للمحافظة على كيان امته
من خلال بناء سياج ثقافي لدرء خطر الجهل الذي قد يهاجمه في
مسيرة تقدمه لبناء مجتمعه المنشود , هذا بالنسبة للانسان بشكل عام ,
اما هنا وما اريد الاشارة اليه تحديدا هو ذلك البشر الذي تمتد جذوره
المتواصلة بانسان ساهم ببناء حضارة وادي الرافدين , التي كانت سائدة قبل ما يقارب
السبعة الاف سنة , ثم انتقل الغالبية من هؤلاء البشر من ديانتهم القديمة الى الدين
الجديد , حيث اعتبروا اولى الاقوام التي دخلت المسيحية , هذا الشعب الاثوري
الكلداني السرياني الذي انتمى غالبيتهم الى الديانة المسيحية , اليوم ينقسم
الى عدة مذاهب بل ذهب البعض منهم الى ابعد من ذلك اعتزازا بحضارته ليعلن ولادة فكر
قومي جديد كما يسمونه , وهذا يدل على الحرص الشديد لسلامة استمرار هذه الحضارة , و
كعادتي في الكتابة فاني غالبا ما اعتمد في اختيار العناوين و المواضيع على
المحيطين بي من اصدقاء , وغالبا ما اشير اليهم من حيث ما يثيرونه من تساؤلات
معظمها بحاجة الى اهتمام و اجابة , هؤلاء الاصدقاء منهم من اسمعهم عبر الانترنيت على
البالتولك , او من احاورهم و تحديدا في غرفة " المدرسة " المتميزة
بتوجهاتها الادبية والثقافية و منهم من أدردش معهم عبر الهاتف , او عبر
لقاءات عائلية مباشرة , و احيانا كثيرة و كثيرة عبر مشاهدتي لقناة بيت نهرين
الاثورية , التي تبث من امريكا و الاخرى فضائية سورويو TV التي تبث من السويد , وقد اكون مبالغا ان قلت لكم ان
جميع من احاورهم متفقون على حماية الامة بكل انتماءاتها المذهبية و
يدعون الى ثقافة الوحدة , وهم بذلك يجسدون نهج حضارتهم و دينهم في
تبني ثقافة واحدة تدعوا الى المحبة و السلام , ان طروحات هؤلاء دون استثناء عشيرة
كانت او حزبا او مذهب , تصب جميعها في خدمة ابناء جلدتهم , فبالرغم من
اختلافاتهم المذهبية و الفكرية فانهم ماضون في الدفاع عن ثقافة كل مكونات الامة
ببسالة رائعة , و ما اعتز به ان كل هؤلاء دون استثناء يملكون حباً بل عشقاً
لثقافة حضارتهم في بابل و اشور , وارى ذلك جليا حينما يصل
حوارهم حد الاختلاف , لكنهم سرعان ما يتحدون حين تتعرض امتهم , و حضارتهم ,
للخطر او التهميش , بل ويعملون بكل الوسائل و بشتى الطرق للدفاع عنها واثبات
صلاحيتها و ملائمتها لكل العصور , لكن هناك بعض المثقفين من هؤلاء
الاصدقاء الاعزاء سرعان ما تخلوا عن قبول و احترام ثقافات الاخرين , واحيانا قد
يصل الامر بهم الى خلق نزاعات تصل في اغلب الاحيان الى غضب و زعل دائم , و السبب
الرئيسي كما اعتقد , خارج عن ارادتهم حيث هكذا نشأ البعض في بيئة "
مذهبية أو قومية " بالرغم من ان ذلك يمثل عنوان أمة و حضارة
, وهنا تبرز الازمات وبات مثل هؤلاء وهم قليلون يهددون ثقافة وحدة
الأمة بكل طوائفها , فالثقافة المطلوبة ليست ثقافة دراسة و ادب و
خطابة فحسب بل هي ثقافة المحبة و السلام , وهي الحرية في اختيار
الفرد لعقيدته او مذهبه , هي حب الناس هي التواضع هي وحدة البشر ضد المرض و
التخلف و الجريمة هي المساوات و اخيرا هي الايمان بحقوق الانسان , وهنا لا اريد
الخوض في التصرفات الفردية للبعض منهم , لانها قد تكون انعكاسا مرتبطا
ببيئة معينة احادية المنشأ , قد تكون مذهبية او قومية , لكني ساتطرق
الى المثقف المحسوب على النخب المثقفة القائدة من ابناء الامة . وحيث ان
امتنا التي يمثلها { السريان و الكلدان و الاشوريين } من الامم المتميزة في
التأريخ الإنساني والتي اعتمدت على اهتمام مثقفيها في بناء نهضتها و حضارتها
في " بابل و نينوى بلاد ما بين النهرين " حيث ان هذه
الحضارة لم تكن لتبنى لولا وجودهم انذاك , و مقارنة بسيطة بين
ثقافة اليوم و ثقافة الامس , نرى ان الفارق واضح و كبير , فبالرغم من
اختلاف الظروف الزمنية و المكانية , نرى عظمة و ثقافة الاقدمين من خلال ما تحتفظ
به متاحف العالم من كنوز و معالم الثقافة البابلية و الاشورية , الذي اود
قوله و ما استنتجته انا من خلال قرائتي لزمن هذا المثقف البابلي الاشوري
السرياني , هو مدى اهتمام هذا المثقف بزمنه و مكانه انذاك , حيث نرى انتعاش
ثقافة العلوم بكل اختصاصاتها , و الادب بكل فروعه متلازمة مع ثقافة الجتمع في
التضحية في سبيل القيم و المبادئ و الوجود , ان بعضاً من مثقفينا اليوم ما
زال يراوح في مكانه معتمدا على ثقافة الماضي الغريب القريب , ثقافة الانانية و حب
الذات , هذه الثقافة التي زرعت الحقد و الكراهية في بعض مراحل نموها في عقول بعض
من مثقفينا , فتارة يقف البعض من مثقفينا الى جانب اليسار و تارة تراه في
اليمين , ثقافته هذه اعتمدت في غالبيتها على التعصب والغاء ثقافة الاخر و مستندا
على ثقافة تمجيد الفرد او العشيرة او الحزب .... اما "
ألأنا " الفوقية كما يقولون , كانت المشجع لبروز النعرات العنصرية , و الطائفية
, والتي وصلت الى حد اتهام الاخرين بالالحاد او بالخيانة , مما ادى الى التقوقع و
الجمود اللذان يمثلان اعلى مراحل التراجع و التخلف , و الامثلة كثيرة
سابحثها في مقال قادم لأسلط الضوء على بعض من قادة و مسؤولي امتنا روحيين و مدنيين
, حول طريقتهم في الحوار والتي يعتبرها البعض حوارا ديمقراطيا , حيث نرى التلاسن و
تبادل الاساءات و احيانا الاتهامات في وسائل الاعلام واحيانا امام شاشات تلفزيون
الفضائيات الغرباء , بين بعض من اساتذتي المسؤولين عن قيادة الامة , مما يساهم في
زيادة الفرقة والاحباط و زعزعة الثقة على حد سواء , والتي نأسف لها أشد
الاسف , ان المثقف اليوم بحاجة الى مراجعة ذاتية و نقد موضوعي لاسباب التراجع ,
والاخفاق , وعليه تقع مهمة دعم الطروحات الحضارية و الوحدوية , والتي تصدر من هنا
و هناك , والتي تلبي طموحات شعبنا السرياني الكلداني الاثوري , ان دور
المثقف لا يقل اهمية عن دور المقاتل في جبهات القتال , ترى كيف يجب ان يكون هذا
المثقف ؟ كيف يفكر , كيف يتحاور , كيف ينظر الى افكار الاخرين , هل يطمح
لوحدة التوجه هل يؤمن ان الطريق للنجاح يبدأ بوحدة الثقافة , اني ارى البعض من
ابناء امتنا يتباهون وكأنهم مثقفون سياسيون بارعون لكن البعض
الاخر يتخيلهم و كأنهم كمحار البحر يمارسون نضالهم داخل حيزهم
الضيق , خائفين مذعورين من ثقافات الاخرين من حولهم , لا يجرؤن على
اخراج رأسهم لكي لا يبتلعهم حوت الحضارة , وكأن احتمائهم داخل هذا
المكان , هو الخلاص الابدي , غير عارفين بان قوتهم هي في اظهار و نشر
ثقافتهم , ان بعض من مثقفينا باتُ بأمس الحاجة الى وقفة نقدية للذات , ثم الى
تحليل مسببات الاخطاء التي ادت الى تراجع تقدم الامة , و انحسارها في مكان
المذهبية الضيقة او القومية المتعصبة , و اعتقد بأننا بحاجة الى ثورة ثقافية
في مجتمعنا السرياني الكلداني الاشوري برمته , يقودها النخب من
المثقفين و المسؤولين , ثورة تشارك فيها كل وسائل اعلامنا , لتقييم المرحلة بكل
طولها الزمني , و العمل بجرأ لتغيير بعض المفاهيم القديمة التي ضاق بها
الانسان في منطقتنا على وجه الخصوص , ان الانطلاق نحو ثقافة التحضر تحتاج
الى تضحيات و نكران الذات , وهذا يجعلنا ان نقف دون خوف لنقول , لا للقيود
لا للجمود , نعم للحرية , لم يبقى لنا وقت نضيعه , في دراسة و
تبني ثقافة الحرام و الحلال , لم يبقى لنا وقت للاهتمام بمصطلحات
كلامية كالكفر و الايمان و الخائن و العميل و الطائفي و الكلداني و الاشوري و
السرياني وغيرها , ليكن شعارنا بناء انسان يحمل في ضميره كل
الثقافات , مثقف ملتزم ناكرا لذاته في سبيل قومه , مطلوب من مثقفينا , تأمل
القرن الواحد و العشرين حين ذلك سيكون بمقدور مثقفينا قيادة الغارقين و السباحة مع
المتأخرين عن ركب الحضارة و الوصول الى الضفة الاخرى , ان التواضع و استحداث
صيغ جديدة في التعامل و التفاعل مع الرأئ الاخر , لهو طريق النجاح الآمن , وعلى
عاتق مثقفينا تقع المسؤولية الكبرى , و اظن ان المقياس الدقيق بل و البسيط
لمعرفة مستوى ثقافة ابناءنا هي في قبول البعض ثقافات الاخرين , او على
الاقل احترامهم لحقهم في الحياة والتعبير , و مهما يكن فان ألثقافة ناتجة في
اغلب الاحيان عن بيئة الانسان اولا وعن مدى تأثره بالعقائد المذهبية او
الفكرية العلمانية ثانيا , لكني اتسائل لماذا البعض منا ما زال يصر
على رفض الاخر , " ثقافةً و رأي " , و لماذا البعض منا يرى الشر كله في
الاخرين و لا يرى بعض الخير فيهم , ان الثقافة حين تأخذ مداها و تتسع
في عقل الانسان الجديد الحر , فانها لاحقا ستشكل مجتمعا حضاريا , منوعا بل و
مختلفا , مؤمناً بقاعدة { ليس هناك شرُ دائم ولا خير دائم } , انما
هناك ثقافات انسانية متداخلة و متفاعلة وحتى متناقضة تسعى , لبناء انسان
بثقافة جديدة بعيدة عن الشكوك بنوايا الاخرين , هنا المحك , بل هنا هو
الامتحان , فكلما ابتعدنا من رسم صورة التعصب في خيالنا مسبقا , وضعنا
انفسنا في مأمن من الانزلاق , و كلما ابتعدنا من عبودية " الأ نا
" و حب الذات كسبنا حب الناس , ان اعتقاد بعض من مثقفي
طوائفنا , ان ثقافة طائفتهم , هي الاقدم و الانجح و هي التي يجب ان
تسود , و يجب اعتمادها مصدر التقدم و الخلاص , وان ثقافة الاخرين يجب اعدامها او
الغائها من الخارطة الانسانية , انما يعني ذلك الانزلاق الى الدرك الاسفل
للتخلف و الامية , والعكس الصحيح , هو شعور المثقف من ابناء امتنا بكل طوائفها ,
بأنه ما زال بحاجة الى عون المعارضين و مؤازرة المؤيدين بنفس القوة و على حد سواء
, عندها فقط يستطيع المثقف ان يواجه الاخرين متحديا و في نفس الوقت واثقا و ثابتا
, على قاعدة نظيفة و قوية , هكذا هي عظمة الانسان , كاتبُ كان ام رئيس لدولة
, او حزب او كنيسة , في الختام اقول نحن بحاجة ماسة و ملحة , الى تجمع ثقافي
واسع تشارك فيه كل النخب المثقفة لتتدارس مع كل رؤساء الطوائف الدينية و كل
رؤساء الاحزاب السياسية الداخلة في تشكيل هذه الامة , حول المعوقات التي تحول دون
تكوين ثقافة توحد الامة , انها امنية بحاجة الى دعم لكي تتحقق ,
! واكرر ما علق في ذهني قبل اكثر من اربعين عاما حين كان استاذ اللغة العربية
المرحوم عقيل مهدي المدرس في اعدادية الكرخ في مرحلتي الثانوية حين كان يردد لنا
.. ابنائي { تقاس ألأمم بثقافة أبناءها } ختاما , اتمنى لكل مثقفينا و
ادباءنا نساءً و رجال كل الخير و التقدم و النجاح المستمر في عملهم و
مسعاهم لخدمة الانسانية و تقدمها.. تقبلوا مني كل المحبة .. .
استاذ جامعي مستقل
| الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني |
| ^ العودة إلى اعلى الصفحة |