ÃáÚÑÇÞõ ÅäÌíá ÎÇáÏ ... æÇáÂÔæÑíæä ÓÝÑ Ýí Ðáß ÇáÇäÌíá.

الهوية الآشورية والتسميات

مقارنة بين الحقيقة والواقع







"عائقان يقفان أمام الإنسان في طريقه إلى المعرفة: عدم السير بالشكل الصحيح، أو عدم الإنطلاق أصلاً" (من أقوال بوذا) –



*****


تتساوى  قيمة الحقيقة مع الواقع في فكر الكثير من الآشوريين، الذين يتهربون من مواجهة "الواقع المرير"، وبذلك يطرحون أفكاراً استسلامية في سبيل هدف "شائع" لا يعملون لأجله ولا يؤمنون به أصلاً، فالواقع الشاذ للشعوب العريقة، سواء كان حقوقياً أم "هويّاتياً"، يواجَه بالحقيقة الثابتة وبالسبل السياسية عن طريق اعتماد حركة إصلاحية فكرية تنطلق من المؤسسات السياسية سواء عن طريق التوعية أو بتنظيف البيت بالسبل الممكنة، فالحقيقة هي عكس ما يدعو إليه بعض الآشوريين الإنتهازيين لمجرّد كون "كنيستهم" الأكبر في العراق من منطلق "إحذروا مشاعرنا، فنحن كثر!" وكأن الأكثرية تؤيدهم... وإلى ما هنالك من دلع كان السبب في دخول ثقافات جديدة إلى الفكر السياسي الآشوري المعاصر وهي أصلاً فارغة يحاول بعض الساسة إعطاءها هيبة أكبر من حجمها في سبيل النجاح في الإستحقاقات الوطنية العراقية ...

 

كثيراً ما نتحزّر ماذا سيكون الإسم الوحدوي الجديد الذي سيتم طرحه فيما لو قررت رئاسة الكنيسة الإنجيلية في العالم تسمية أتباعها الآشوريين بإسم "السومريين" ؟ وكيف سيُهَرول عندها "مناضلونا" المرشحون للمناصب "المسيحية الكردية" و "المسيحية العراقية" إلى أبناء هذه الكنيسة واعدين إياهم بـإضافة إسمهم الجديد إلى إسم "شعبنا"(؟) في سبيل توحيد "أمتنا"(؟) لكي تنال "قوميتنا"(؟) كامل "حقوقنا"(؟) في "وطننا"(؟) – كلها مُسمّيات بدون أسماء... ويخجلون من تعريفها لأن طروحاتهم ذليلة أصلاً ... مهما يكن، فلنسبق "سومريي المستقبل" هذه المرة ونقوم بواجب هؤلاء لتعويض الخسارة المتوقعة، وذلك بالغور قليلاً في صفحات التاريخ لاستنتاج فكرة صافية وواضحة حول الإسم الآشوري والتسميات، حيث سيتم التطرق لمعانيها ولمن وكيف ولماذا تمّ استعمالها عبر التاريخ ؟ هل أطلقت على مجموعة بشرية تجمعها ثقافة واحدة ؟ أم على "شعب" ؟ أم على "أمّة" ؟

 

في خضمّ الصراع بين المدرستين الآشورييتين (القوميين الآشوريين والقوميين الجدد)، يتمّ اليوم طرح أسماء لا علاقة لها بأي قومية، وأخرى غير محصورة بقومية مُحددة، علماً أن كل هذه الأسماء أطلقت ليس على الآشوريين فقط، وحين نريد مناقشة إسمنا (أقولها بكل أسف)، علينا دراسة طروحاتنا وتحليلها تاريخياً ومستقبلياً وفهم معناها وامتدادَها الثقافي وبُعدها القومي، ولنوضح أكثر، سنتطرّق إلى الإسم الأقدم، ومن باب الحشريّة، لتوضيح ماهية "القومية".

 

نستطيع القول مثلاً وبكل حزم بأننا أحفاد الآكاديين ولكننا لا نستطيع القول بأن قوميتنا "آكادية" كون أجدادنا الآكاديون لم تكن لديهم ثقافة آكادية واللغة "الآكادية" منسوبة إلى الجغرافيا التي نشأت فيها هذه اللغة وليس إلى "الشعب"، كما لم تكن هناك "نزعة قومية" آكادية بل سياسية اقتصرت على التوسع وتوحيد المناطق الخاضعة في كيان يؤمّن الحماية لمجموعة بشرية، ثقافية كانت أم عرقية (شأنها شأن باقي المجموعات قبل نشوء فكرة "القومية")، بعكس الفتوحات الآشورية التي كانت تهدف إلى نشر "ثقافة آشورية" بفرض الفكر الآشوري وعبادة الآلهة الآشورية ومحو باقي الثقافات بسياسة الصهر القومي في بحر المجتمع الآشوري الواسع، عن طريق السبي، حيث يذكر عالم الآشوريات البروفسور سيمو باربولا إحدى مدونات الملك الآشوري تغلات بلاصّر الأول عن المسبيين، بالآشورية القديمة: " إيتي ناشي مات آشور أم نوشونوتي"، ما معناه " إعتبرتهم أبناء آشور" (1) إذاً، كانت هناك "نزعة قومية" آشورية.

 

ومن الخطأ ربط تاريخ "القومية الآشورية"، ببداية "الدولة الآشورية" لأنّ هذه الدولة سُميت "آشور" نسبة إلى الإله "آشور" مما يعني بشكل لا يقبل الجدل بأن "الثقافة الآشورية" أو "الفكر الآشوري" (الديانة والفلسفة والفكر واللغة ذات الميزات الآشورية) وُجد قبل تأسيس الدولة، وقد ترسّخ هذا الفكر بالإيمان بالإله آشور خالق الكون (الله اليوم) وحتى كان أحد الملوك في المرحلة المبكرة من تاريخ ما يُسمى "بين النهرين" يتكنى بإسم الإله آشور، وهو بوزور آشور الأول، وهذا قبل بداية الحقبة الآكادية حيث يسبق سركون الآكادي بأربعة ملوك،  ثم بوزور آشور الثاني في المرحلة الآكادية حيث بداية الإستقلال الآشوري (على شكل ممالك وليس دولة) أي ما يعادل حوالي 570 سنة قبل الملك شمشي أدّد الذي يجزم بعض المؤرّخين بأنه مؤسس "الدولة الآشورية"، ثم يأتي بوزور آشور الثالث (1521-1558 ق.م )، الذي خلف آشور نيراري  الأول (1547-1522 ق.م) في المرحلة الآشورية – إن هذا التكرار في إسم "آشور" منذ ما قبل المرحلة الآكادية لهو دليلٌ على أصالة الفكر الآشوري قبل تأسيس الدولة، كما أن تكرار عبارة "بوزور آشور" لهو إثبات على التواصل بالأصول، كما في شاروكين الأول الآشوري في الحقبة الآشورية الآكادية، وبعد 1600 سنة شاروكين الثاني الآشوري في الحقبة الآشورية الحديثة.

 

ثمّ لو رجعنا إلى أصول كلمة "آكاد" لا نراها تعبّر عن ثقافة كونها أتت بالمدونات الآشورية Akkadu وقد أتت قبل ذلك في المدوّنات التاريخية لقصّة الإلهة عشتار التي تخضع لـ"تاج النار" (Aka-Di) أو "إكليل النار" – بالسومرية (2) وبذلك لم ولن تعني هذه العبارة أي انتماء قومي فهي بأكثر الأحوال تعبّر عن إسم جغرافي لكيان سياسي-إجتماعي (دولة آكاد) بعد أن عبّرت عن إسم مادّي، وقد نُسِبَ الشعب إلى إسم آكاد "الجغرافي" وليس القومي وذلك قبل مرحلة نشوء الفكر القومي بالمصطلح الحديث، وتلمّح الموسوعة الكاثوليكية إلى الثقافة "الآشورية" للآكاديين وبطريقة مباشرة حين تذكر: [إن علم الفلك الكلداني يجب أن يُسمّى "آشوري" كون أوّل وثيقة فلكية موجودة حتى الآن هي من عهد سركون الآكادي وهي بعنوان "Namar-Beli" أي "التنوير من الإله بيل" وقد وُجدت هذه الوثيقة في مكتبة آشور بانيبال الشهيرة] (3) أي إن علم الفلك في عهد سركون "الآكادي" هو علم "آشوري" حتى ولو كان ذلك قبل نشوء "الدولة الآشورية".

 

أمّا فيما يخصّ التسمية السريانية (السوريانية)، فهي تعبّر عن ثقافة كنسيّة انتشرت في ما سمّاه اليونانيون خطأ بـ"سوريا" من آشور(4) كون آشور (الدولة التي ضمّت المجتمع القومي الواحد، وليس الإمبراطورية) كانت أصغر بكثير من المنطقة التي ألصِقت بها عبارة "سوريا" اليونانية (5) – (6)، ولكن طالما لدينا تاريخنا الخاص ولغتنا المميزة، لسنا مُضطرين لأن نلبس ما يُفصّله اليونانيون وغيرهم، ثم إن الإسم السرياني لم يعن أية قومية في يوم من الأيام بل ثقافة أو طقس أو تراث كنسي، ونستطيع القولَ بأن جميع كنائسنا (الشرقية والسريانية والكلدانية) هي ذات طقس "سُرياني" (حسب التفسير الليتورجي الآكاديمي المعترف وليس حسب الحقيقة التاريخية لأصول "الثقافة" السريانية) – والقومية لا تنحصر بكنيسة مُعينة كما أن الكنيسة لا تنحصر بقومية مُعينة، ولا ننسى بأن جميع كنائسنا تضم هنوداً وعبر التاريخ ضمّت عرباً وآشوريين وفرساً ومغولاً و .. و .. وألخ ... وليس هؤلاء "شعباً واحداً"، لذلك ليس من الممكن أن يكون الإسم السرياني قومياً بل من الممكن أن يكون لـمجموعات مسيحية بغضّ النظر عن انتمائها القومي ولا مانع لأن ينضمّ عربياً سعودياً إلى الكنيسة السريانية اليوم، ويُسمّى "سُريانياً" – وإنّ ما نقرأه Surios بالتواريخ الإغريقية أو Syrian بترجماتها الإنكليزية لا يُقصَد بها "سُريان" كما يحلو للبعض تفسيره، بل "سوريّون" نسبة إلى جغرافية "سوريا" اليونانية (وليس سوريا اليوم) كون المؤرخين الإغريق القدماء لم يستعملوا عبارة "سريان" بتاتاً. إذاً هناك سُريانٌ من الآشوريين وغيرهم، ولكن يجب دائماً تحديد ذلك وفقاً للإنتماء الجغرافي لهذه التكوينات البشرية "السريانية" في منطقة معيّنة، فلو أخذنا السريان في تركيا مثلاً، نرى المؤرّخ التركي البروفسور شمس الدين غونالتاي في كتابه "تاريخ الشرق" يقول بأنّ مدينة الرهى (أورهاي – أورفا) أسستها القبائل الآشورية (On-Asurilar) ويقول أيضاً بأن "أبناء كنيسة السريان القديمة" (Qadim Surianilar) هم أحفاد الآشوريين السوبارتيين (Subari Asurilar) (7) ثمّ نرى الأب الرحالة ساوثغات في ثلاثينات القرن التاسع عشر يزور مناطق طور عبدين ودير الزعفران ويقول: [حين بدأت أستعلم عن السريان، لاحظت بأن الأرمن لا يسمونهم “Syriani” بل “Assuri”] (8).

 

أي أن السرياني يكون آشورياً فقط لو ربطته صلات تاريخية باللغة والأرض الآشوريتين شاء أم أبى، وهذا ينطبق على كافة الطوائف التي ينتمي إليها الشعب الآشوري سواء كانوا سرياناً أم كلداناً أم مشرقيين، فهناك هنودٌ من الكلدان(9) والمشرقيين والسريان... لكن ليس هنالك "هنودٌ آشوريون" !

 

أمّا عبارة "كلدان" التي دَرَجت في الآونة الأخيرة بقالب قومي، فهي عبارة عريقة في التاريخ مثلها مثل "ربشاقي" (رئيس السقاة) و"أشاكو" (الكاهن) و"شانغو" (مُدبِّر الهيكل) ... وإلى ما هنالك من أسماء استعملها آشوريّو بابل ونينوى في حياتهم اليومية، ولكن هذا لا يعني بأن نحوّلها إلى أسماء قومية كلما ألصقها بنا الغرباء، وعلينا الحذر من الإستغلاليين والوصوليين من أبناء الشعب الآشوري الذين يحاولون الحصول على بعض المناصب بعد سقوط صدام، فما يثير الدهشة اليوم هو انقلاب هؤلاء على مبادئهم السابقة، مُستغلين طيبة بعض أبناء طائفتهم، وعلى سبيل المثال رئيس ما يُسمّى "المجلس القومي الكلداني"، والذي كتب إحدى مقالاته الرائعة – طبعاً قبل سقوط صدام - والمُعَنوَنة: "نحو استراتيجية آشورية تجاه القضية الكردية في العراق"، والتي ينهيها بالجملة التالية: [إننا كآشوريين نأمل الوصول إلى أهدافنا بأقل قدر ممكن من التضحيات] (10) والذي تتصدّر اليوم مؤسسته، الدعوة لقومية "كلدانية" في العراق، ولكن بدون أية رؤية مُستقبلية "قومية كلدانية" (لو سلمنا جدلاً).

 

إنّ إعطاءَ هذا الصنف حجماً أكبر مما يستحقه، كان السبب الأساسي لضخيم المشكلة، فهناك قسمٌ كبير من الآشوريين الكاثوليك يرفض هؤلاء ويُشارك في كافة المؤسسات القومية الآشورية لا بل أسس الكثير منها، أما النوع الأوّل (القوميين الجدد) فلا يتجرأ على طرح رأيه في المنابر السياسية العراقية، حيث لا تتم المطالبة إلا بإدراج الإسم الكلداني كإسم قومي بدون تبني أي قضية أو رأي قومي سياسي بخصوص المجموعة التي يدّعون تمثيلها، مختبئين وراء رجال الدين الأغنياء عن التعريف بمواقفهم المخجلة، مُعرضينهم للإحراج ومُستغلين رتبتهم الدينية التي يحترمها الساسة العراقيون لحين يطفح الكيل...

 

بعيداً عن شوؤن اليوم، سنعالج تداول التسمية الكلدانية عبر التاريخ ليس كإسم كنسي فحسب، بل سنعود إلى فترة ما قبل المسيح حين لم تكن إلاّ تسمية طبقيّة في بابل وخارجها، وحيث عُرف بها كل منجّم أو عرّاف، فمن عُرفوا في التاريخ بـ"الكلدان" كانوا قبائلاً تهتم بالعلوم، وإنّ ما يقرأه البعض حول "أرض الكلدانيين" في العهد القديم لا يدل على أن الأرض كلدانية بل إن من كتب ذلك القسم من التوراة قد عاصر وجود القبائل المسمّاة "كلدو" في تلك الأرض، مثلاً "أور الكلدانيين" عبارة لا تمت إلى الواقع بصلة لأنّ أور مدينة سومرية وعندها كان يتكلم ذلك الراعي اليهودي عن الأرض التي تواجدت فيها آنذاك مجموعات سُمّيت "كلدو" في زمانه، ومن قِبـَل الآشوريين أنفسهم، وهذا ما يؤكده البروفسور ناحوم سارنا، أستاذ الدراسات التوراتية في جامعة برانديز – ماساتشوستس ورئيس قسم الترجمة العبرية للتوراة، حين يقول: [من الخطأ أن نقول "أور الكلدان" لأنها أساساً سومرية ولم يدخلها الكلدان قبل الألف الأوّل قبل الميلاد] (11) ، كما إن أوّل تاريخ يذكر عبارة "كلدان" هو عام 878 ق.م، وذلك في مدونات الملك الآشوري "آشور نصربال" الذي سمّى جنوب الأراضي الخاضعة لبابل آنذاك بـ"أرض كلدو" (منطقة الأهوار وجنوبها) علماً أن بابل كانت لا تزال مدينة قائمة ويسكنها البابليّون، وكانت تلك المرة الأولى التي يُستعمل فيها الإسم بحسب المكتشفات(12) وذلك بعد دخول هذه القبائل إلى العراق في بداية الألف الأول قبل الميلاد، قادمة من "ديلمون" (البحرين اليوم)... ليس هذا ما يهمنا بقدر معنى الإسم الكلداني وعلى من أطلق ... فعبارة "كلدو" لم تعن إلاّ "عرّاف" وقد استعمل هذا الإسم للمنجمين الغير بابليين بل الأوروبيين أيضاً كما سنرى، حين بدأت هذه المهنة في روما بواسطة عبدٍ روماني يُدعى "أنطيوخس" ويؤكد ذلك الأديب الروماني "ماركوس كاتو" (القرن الثاني قبل الميلاد) الذي هاجم "الكلدان" في روما على أنّ الآلهة الشريرة هي التي توحي لهم بالتفسير – ثمّ يأتي بعده القيصر أوغسطس (31 ق.م – 14 م) – الذي أيّد المهندس فيتروفيوس (Vitruvius) في قوله : [إسمعوا نصيحة "الكلدان" فهم يقرأون الغيب ويحسبون المستقبل] – (13) وهنا كان يتحدّث عن المنجمين في روما، ونرى المؤرّخ الروماني سوتونيوس (القرن الأوّل.م ) “Gaius Soetonius” -  في كتابه "حياة القياصرة" (De Vita Caesarum) وفي حديثه عن القيصر فيتيليوس (15م – 69م) الذي سأم من عرّافي روما ، يذكر ما يلي: "طلب فيتيليوس من العرّافين، والمعروفين بإسم Chaldaei الشائع، أن يغادروا إيطاليا قبل حلول أوكتوبر" (14) مما يعني بأن الكلدان لم يكونوا بابليين فقط.

 

ويؤكّد مؤرّخ علم الفلك الشهير، البروفسور روبرت هاند في بحثه "تاريخ علم الفلك" بأن [القدماء سمّوا المنجمين بـ"الكلدان"] (15) ، وفيما يخصّ "كلدان بابل" فهؤلاء لم يكونوا إلاّ أصحاب مهنة محترمة في تلك الأيام، وهنالك الكثير من الأخصائيين في تاريخ الروحانيات وأبرزهم الفيلسوفة الروسية هيلينا بلافاتسكي (1831-1891) مؤسِّسة الحركة الثيوزوفية، التي تؤكد بأن: [الكلدان كانوا "طبقة مثقفة تعرف بالكاسديم"، وهم كانوا "علماء وسحرة ومنجمي وعرافي بابل"، و Hillel (60 ق.م – 20 م) الذي تنبأ بالمسيح وفلسفته كان أحدهم] (16) – والمعروف أن Hillel كان عبرانيا وليس بابلياً (17).

 

أمّا الموسوعة الكاثوليكية فتذكر: [إنّ الكهنة الآشوريين البابليين قد عُرفوا بالكلدان... وإن الفلكيين في مصر وبابل سمّوا بالكلدان وبقيَ هذا الإسم يحمل معنى "عالم فلكي" في العصور القديمة وما بعدها] (18) ، وهذا أيضاً ما تؤكده موسوعة Wikipedia بنصها التالي: [الرومان قد استعملوا عبارة "كلدان" لعرّافي بابل، وكذلك فعل المؤرّخون القدماء] (19) ، كما يذكر مركز روبرتسون للدراسات بأن [الفلكيين في فارس كانوا يسمّون "ماغي"، كما الفلكيين في بابل كانوا يُسمّون "الكلدان"] (20)، وهذا ما يذكره أيضاً الدكتور وايلدر المختص بالفلسفة القديمة حيث يقول: [إن الكهنة والسحرة والطبقة المثقفة كانوا يُسمّون "ماغيين" وأحياناً "كلدان"] (21) ويذكر العالم والرحالة المستكشف ويليام ريد(1838-1875)  بأن [الكلدان كانوا "منجّمي بابل" وبأن سحرة القرون الوسطى قد أخذوا الكثير من علومهم] (22) وتذكر الموسوعة الدولية للكتاب المقدّس بأن ["كاسديم هي نفس الكلمة الإغريقية “Chaldaoi”، والتي نجدها في سفر دانيال ولا تعني إلاّ "عراف"، وقد استعملت هذه العبارة حتى بعد سقوط الإمبراطورية البابلية بحيث لم يكن يُسمّى "كلداني" إلا من كان يتعاطى الفلك وعلم الغيب] (23)، أمّا البروفسور جولي جلينتاين، أستاذة علم الفلك في جامعة كولورادو – الولايات المتحدة، فتقول في أحد بحوثها العلمية: "كان الكلدان فلكيين متمكنين، وعلماءً يدل إسمهم على مهنة السحر"(24) ، ويذكر عميد كلية كانتربري اللاهوتية والباحث اللغوي الشهير، الأسقف روبرت باين سميث، بأن "الكلدانية تعني علم الفلك والتنجيم" (25)  وهذا ما تؤكده موسوعة تاريخية أخرى وهي "موسوعة علم الآثار للكتاب المقدس" التي تقول: "إن أهمّ الفلكيين المعروفين أيضاً بالكلدان، كانوا من الحكماء والسحرة وعلماء الغيب، وقد خدموا في بلاط الملوك البابليين" (26) أي أنه لا يجب الخلط بين "بابلي" وكلداني"، وبأنه ليست هناك "قومية كلدانية.

 

أما فيما يقوله المؤرخون القدماء، ففي كتاب "التواريخ" للمؤرّخ الإغريقي هيرودتس (القرن الخامس ق.م)، وبأجزائه التسعة، لم ترد عبارة "كلدان" إلا مرتين أو ثلاث، حيث يذكر في أحدها: "لا توجد أية صُوَر في بيت الذخائر، ولا ينام أحدٌ هناك إلا امرأة آشورية يتم اختيارها من الله، وهذا ما يقوله الكلدان، كهنة الإله بيل" (27)  فيذكر سترابو الإغريقي (60 ق.م – 20م ) ما يلي : "في بابل، كانت هنالك مكانة خاصة للفلاسفة الذين سُمّوا بالكلدان، والذين يهتم القسم الأكبر منهم بعلم الفلك، وهناك عدة فئات من هؤلاء، بعضهم يسمى [Borsippenoi] والبعض الآخر [Orchenoi]" (28). ، وهذا ما يؤكده المؤرّخ ديودوروس الصقلّي (80 ق.م – 21 م) فيذكر بأن [البابليين قد سمّوا كهنتهم بالكلدان](29)، كما يذكر المؤرّخ أوسابيوس القيصري (أبو التاريخ الكنسي، 260 – 340 م) في كتابه "التمهيد للبشارة" الذي عالج فيه علاقة العهد الجديد بالقديم، بأن الكلدان الذين عُرفوا قديماً، كانوا "آشوريين" (30)

 

أما لمن يؤمن بخرافات العهد القديم ويتذرع ببعض المواضع التي وَرَدت فيها عبارة "كلدان"، فإنّ إشعيا قد عبّر بشكل واضح وصريح عن هوية الكلدان (القدماء) حين قال: [هوذا أرض الكلدانيين، هذا الشعب لم يكن، أسسها آشور لأهل البرية] (31) ويوضح العالم التوراتي روبرت ديك ويلسون بأن عبارة "كلدان" الواردة في التوراة لم تعن قومية أو أمة (32)، وذلك بتقديمه الآيات التالية في سفر "دانيال" حول حُلم الملك نبوخذنصّر :

 

- الإصحاح الثاني/1-2: "وفي السنة الثانية من مُلك نبوخذنصّر حَلم نبوخذنصّر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه نومه. فأمر الملك بأن يُستدعى المجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون ليخبروا الملك بأحلامه فأتوا ووقفوا أمام الملك..." - الإصحاح الثاني/10 : "أجاب الكلدانيون قدام الملك وقالوا ليس على الأرض إنسانٌ يستطيع أن يبيّن أمر الملك. لذلك ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل أمراً مثل هذا من مجوسي أو ساحر أو كلداني..." – ويقول نبوخذ نصر عن تفسير حلمه في الإصحاح الرابع/6-7 :"فصدر مني أمرٌ بإحضار جميع حُكماء بابل قدامي ليعرّفوني بتعبير الحلم. حينئذٍ حَضرَ المجوس والسحرة والكلدانيون والمنجّمون وقصَصْتُ الحلمَ عليهم فلم يُعرّفوني بتعبيره..." وحين ظهرت كتابة غريبة على أحد جدران قصر بيلشاصّر (إبن نبوخذنصّر): - الإصحاح الخامس/7 : "فصرخ الملك بشدة لإدخال السحرة والكلدانيين والمنجمين. فأجاب الملك وقال لحكماء بابل أي رجل يقرأ هذه الكتابة ويبيّن لي تفسيرها فإنه يُلبَّس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه ويتسلط ثالثاً في المملكة..." – ثمّ تدخل زوجة بيلشاصّر وتنصحه بالتخلي عن تفاسير "حكماء بابل" واللجوء إلى دانيال قائلة في الإصحاح الخامس/11: "أيها الملك عش إلى الأبد، لا تفزعك أفكارك ولا تتغي