ألعراقُ إنجيل خالد ... والآشوريون سفر في ذلك الانجيل.


الدستور...... بين التحفظات والواقع

جاكلين زومايا

لقد تغيرت قيم ومفاهيم مذ تحول العالم الى قرية صغيرة وصارت المجتمعات والدول اعضاء في هذه القرية لاتستطيع ان تنأى بنفسها وتوصد الابواب بوجه التغيرات والتحولات الحادثة في العالم بذرائع ومفاهيم عفى عليها الزمان ... فالمجتمع الذي يروم التطور والتنمية هو الذي يتفاعل بايجابية وبما ينسجم مع تكوينه الثقافي والاجتماعي مع مجتمعات العالم مدركا بانه جزء من هذا المكون الاكبر ( العالم ) مستفيدا مما انتجته المجتمعات من مواثيق واتفاقيات في مختلف المجالات الحياتية وخاصة ما يخص الانسان وحفظ كرامته وحريته واكثر تحديدا ( بالنسبة لنا كعراقيين ) ما يخص المرأة لما عانته من سنوات طويلة من تهميش وتجاهل لابسط حقوقها.

ففي الوقت الذي يعد مشاركة المرأة الفاعل في شتى مفاصل الحياة وخاصة السياسية منها معيارا لتطور المجتمعات فأن قسماً كبيراً من المجتمع العراقي ما زال تحكمه العقلية الذكورية فينظر بدونية الى المرأة وينتقص من قدراتها ، فهي بحسب تكوينه الفكري والنفسي والاجتماعي ( ناقصة دين وعقل )..! وان وصولها ومشاركتها في العملية السياسية اليوم لم يأت من خلال قناعة مجتمعنا الذكوري بكفاءتها بل اعتماد الحصة التمثيلية ( الكوتا ) التي تحققت بعد تشكيل مجلس الحكم المنحل حيث كانت السبب الرئيسي في وصول المرأة ودخولها المعترك السياسي والى مواقع صنع القرار...... وقد اثيرت ولا يزال الكثير من التساؤلات حول آلية الوصول هذه، والتشكيك بمقدرتها وكفاءتها رغم ان العملية السياسية والتجربة الديمقراطية برمتها في العراق هي تجربة فتية ما زالت تحبو وتتعثر في خطواتها سواءا للرجل او للمرأة..! والغريب في الامر ان اعتماد الية ( الكوتا ) للمرأة صارت تنتقد من قبل بعض النساء انفسهن بذريعة ان المرأة تستطيع بكفاءتها ان تثبت نفسها في الساحة السياسية متجاهلات سيطرة العقلية الذكورية على مجتمعنا العراقي لقرون وقرون طويلة حتى على مستوى النخب السياسية والمثقفة.. فكم امين عام حزب من احزابنا العراقية العديدة تحتله امرأة ؟ وكم عضو لجنة مركزية في احزابنا تحتله امرأة ؟ وكم مدير عام اومنصب مسؤول تحتله امرأة...! فهل المرأة العراقية قاصرة عن شغل تلك المناصب ؟ الجواب الاكيد هو كلا .... والدليل على كفاءتها هو ما تحقق لها ومن خلالها في الدستور ، هذا العقد الاجتماعي والسياسي الذي ينظم العلاقة بين جميع مكونات المجتمع وبين الحاكم والمحكوم ..

فلقد كان للمرأة دورها الفاعل والمؤثر في صياغة مسودة الدستور سواء عن طريق عضوات في لجنة كتابة الدستور او من خارجها او من خلال منظمات المجتمع المدني النسوية والتي استطاعت بنضالها على سبيل المثال وليس الحصر ان تثبت حصـــة المرأة ( الكوتا ) كبند من بنود الدستور . وكان لها راي او نقد وتحفظ او تصويب لكل ما يطرح في جلسات النقاش اسوة باخيها الرجل فيما عدا استثناءات غيب فيها حضورها.. ولا ننسى دور بعض الرجال من اعضاء الجمعية الذين ناصروا قضية المراة .

وهنا اذ نثمن الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل انجاز مسودة الدستور في موعدها المقرر والتي تستحق التقدير والثناء فأن ذلك لايمنعنا من ابداء بعض التحفظات او الانتقادات لبعض ما جاء في بنودها او الآلية التي اعتمدت في كتابتها .. فالكمال لله وحده سبحانه تعالى. ومن هذا المدخل فانني اسجل هذه التحفظات :

1. ان اللجنة المكلفة بكتابة المسودة اولت السقف الزمني المحدد لانجاز المسودة اهمية كبيرة وكأنه توقيت مقدس فصارت اسيرة هذا التحديد الزمني وهذا فرض عليها ضغوطات عديدة جعلها تتعثر وتتخبط في حسم الكثير من فقرات مسودة الدستور.

2. ان التقيد بالمحدد الزمني المقدس عجل بدفع العديد من الفقرات المختلف عليها الى ما سميَّ بالمطبخ السياسي ( رؤساء الكتل ) لتحسم هناك على اساس استحقاق انتخابي وليس استحقاق وطني، وفيما يخص المرأة وشؤونها انوه فقط بان المرأة غيب حضورها تماما عن هذا المطبخ السياسي .

3. الضبابية التي هيمنت على بعض نصوص مسودة الدستور التي تقبل التأويلات المختلفة وهذا ما قد يؤدي الى محاولة توجيه مثل هذه النصوص لتخدم توجهات هذا الطرف او ذاك.

4. اختزال اصوات اعضاء الجمعية بصوت رؤساء الكتل وحرمانهم من المناقشة وابداء الرأي واعتبار مجرد قراءة المسودة على اعضاء الجمعية هو اقرار ومصادقة عليها..!

5. الانتقائية في حذف وتثبيت فقرات في مسودة الدستور بطريقة كيفية، كالأخذ بعلوية الدستور حجة لالغاء المادة ( 44 ) من باب الحقوق والحريات التي تشير الى حق الافراد في التمتع بالحقوق الواردة في الاتفاقات الدولية التي تعنى بحقوق الانسان والتي صادق عليها العراق في حين تم تجاهل هذه الحجة في الباب الاول والخاص بالتزام العراق بميثاق الجامعة العربية على سبيل المثال وغيرها من البنود التي تلزم العراق التقيد بالتزاماته الدولية الخاصة بمنع انتشار وتطوير الاسلحة النووية والكيمياوية... الخ في الفقرة (هـ ) من المادة التاسعة في الباب الاول ..... وكذلك مثل الابقاء او التشبث بنص المادة ( 39 ) والتي تخير العراقيين في الالتزام باحوالهم الشخصية بحسب ديانتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وما يتبع ذلك من تكريس للمذهبية وخلق حالة من عدم المساواة في احكام القانون بسبب تعددية المذاهب وتعددية الاجتهادات واختلافها.

6. الديباجة التي تتسم بالاطالة وتفتقر الى مبادئ المواطنة ولا تولي التركيزعلى النظرة المستقبلية لاجيالنا وامال الشعب العراقي في المستقبل فالديباجة في دساتير الدول تكون اما جزءا لا يتجزأ من الدستور او لاتكون جزءا منه.... الا ان الديباجة لابد ان تحمل المستقبل بين سطورها بشكل واضح وان لا يكون تركيزها فقط على ما اقترفه نظام صدام تجاه الشعب العراقي فان ذلك ستؤرخه كتب التاريخ لا محالة وسيثبث صدام حسين مجرما للشعوب.... ورغم ذكر جميع مظالم وتضحيات مكونات الشعب العراقي الا ان الديباجة نسيت مذابح الشعب الاشوري في سميل او اسقطت من المعادلة العراقية واستثنت تهديم وحرق قرانا وكنائسنا في شمال العراق وتهجير ابناءنا على يد النظام البائد .

7. ان الفقرة (121) من الفصل الرابع قد قسمت شعبنا الواحد وخلطت بين التسمية المذهبية والقومية بذكرالحقوق للكلدان والاشوريين .... وهذا يعني استحداث قومية جديدة تحت اسم الكلدانية وهذا غبن وظلم للاشوريون وعدم اكتراث لقضيتهم اوحملها محمل الجد كونها قضية عراقية قبل ان تكون قضية تخص الشعب الاشوري وحده.

8. الية تعديل فقرات الدستور الية صعبة وتتطلب شروطا تصنف الدستور ضمن الدساتير الجامدة وليست المرنة.... اضافة الى ان الدستور قد تضمن ايراد ما يقارب ستون فقرة تشير الى ( وينظم بقانون ) اي انه سيتبع الدستور تشريعات وقوانين لاحقة تشرع في مجلس النواب القادم .

هذا جزءا من عدد من النقاط الاخرى.... ولكن مسودة الدستور قد انجزت وكما اشرنا لا زال هناك مجالا واسعا للعمل... وان القرار سيكون بيد الشعب العراقي ليقول كلمته الاخيرة واختياره الحر.

جاكلين زومايا
عضوة الجمعية الوطنية
26/ 9 / 2005

.© 2005, Assyrian Democratic Movement-Patriotic Stream .  All Rights Reserved
الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني
^ العودة إلى اعلى الصفحة