ألعراقُ إنجيل خالد ... والآشوريون سفر في ذلك الانجيل.


مع جاسم العايف و أحمد الحيالي ورواتب أعضاء الجمعية الوطنية



كتابات - عضو جمعية وطنية
24 تشرين اول 2005

لم أكتب اسمي لسببين؛ لأني أولا سأتعرض لخروقات بعض أعضاء الجمعية الوطنية دون تسميتهم، مما يؤيد بعض وليس كل ما جاء في المقالتين، ولأني ثانيا سأضطر لتصحيح ما جاء من معلومات غير دقيقة وتعميمات غير منصفة على ضوء تجربتي الذاتية كمثال، ولكوني لا أريد أن يكون الكلام عن الذات على سبيل الرياء ولغة الادعاءات من خلال ذكر الاسم.

لا أريد أن أشكك في نوايا الكاتبين، بل وأشد على أيديهما في هذا الحرص الوطني، وفي ممارسة المحاسبة، لأن من مهام أعضاء الجمعية الوطنية الحالية وأعضاء مجلس النواب المقبل فيما هي المهمة الرقابية إلى جانب المهمة التشريعية، وكانت هناك مهمة ثالثة في الدورة التأسيسية هي المهمة الدستورية، ولكن لا بد من وجود من يراقبهم ويسائلهم ويحاسبهم. لكن لي عتب عليهما هو التعميم والإطلاق وهذا يؤدي إلى ظلم الكثيرين من أعضاء الجمعية الوطنية، كما سيتبين لهما وللقراء الأعزاء.

كثير مما ذكر صحيح ولكنه لا ينطبق إلا على عدد من أعضاء الجمعية الوطنية، ولا أظنه ينطبق على الأكثرية. وقبل تناول الخروقات التي ذكرت في المقالتين، أحب ابتداءً تناول الجانب المالي من راتب وتقاعد وتخصيصات حماية. وسأتناول ما فيه إنصاف لكثير من الأعضاء ودفاع موضوعي عنهم، وفيما فيه إدانة لآخرين مما يصدق عليهم الكثير مما ذكر في المقالتين.

أرجو من الكاتبين المحترمين أن يتركا لي فرصة الدفاع عن نفسي لا بصفتي الشخصية، وإنما بصفتي النوعية. ولكن عندما أتحدث عن شخصي، فكمثال أولا، وثانيا لعلمي بحالي أكثر من علمي بحال غيري. ومن هنا لم أذكر اسمي كي لا يكون الأمر بعد الاطلاع على حالي وطريقة تعاملي مع الأمور من قبيل الرياء.

راتبي كعضو جمعية وطنية بعد خصم الاستقطاعات من ضريبة وتقاعد هو ستة ملايين دينار، وهذا بالتأكيد راتب جيد جدا بالنسبة لبقية وظائف الدولة. ويضاف إلى ذلك 7 ملايين و350 ألف دينار دفعت لنا كمنحة لمرة واحدة. كما وتدفع لنا مخصصات خمسة عشر شخصا للحماية. وسيكون راتبنا التقاعدي 80% من راتبنا الحالي في حال لم ننتخب في مجلس النواب القادم، مع العلم أن ترشحي وانتخابي شخصيا يشكل احتمالا كبيرا جدا، مما سيعطيني فرصة خدمة الشعب العراقي، أو قل فرصة التمتع بهذه الامتيازات حسب رؤيتكما لأربع سنوات أخرى. ولكن عندما تطلعان على مصروفاتي ستعلمان أن هذا الراتب بالفعل لا يغطي تلك المصروفات. صدقاني الراتب ينفد دائما وبدون بقاء أي مبلغ أستطيع أن أدخره لاحتياجاتي الشخصية. بسبب اضطراري للأسباب الأمنية يجب أن يكون بحوزتي أربع سيارات، لا أحتاجها عادة لحياتي الشخصية، لولا الحاجة الأمنية، ويذهب لتصليح وصيانة السيارات غالبا ما لا يقل عن مليون إلى مليون ونصف مليون دينار. طعام الحماية يكلفني مليون دينار.

تصليحات وغاز المولدة الكهربائية كانت تكلفني أيضا مليون إلى مليون وربع أو مليون ونصف مليون دينار، مع العلم أن المولدة ليست ملكي بل ملك صاحب الدار الذي استأجرته، وهي مولدة كبيرة ومكلفة، لذا ومن أجل تقليص المصاريف اضطررت لشراء مولدتين صغيرتين قبل شهر. إضافة إلى أن هناك احتياجات أمنية ناقصة لم تكتمل عندي حتى الآن، وأحاول في كل شهر أن أوفر قسما منها، ومن ذلك السلاح والدروع، وحتى السلاح الشخصي لأفراد الحماية الخمسة عشر، لحرصي على سلامتهم، ولكي لا يتحركوا خارج إطار الخدمة بدون سلاح، لأن أفراد الحماية هم الآخرين مستهدفون من قبل الإرهاب، ومنطقة سكني موبوءة أمنيا للأسف الشديد. وقد تسأل لماذا أربع سيارات. في أحسن الفترات التي مرت بحياتي عندما كنت مرفها قبل أن أهاجر قبل ربع قرن فيصادر النظام أموالي المنقولة وغير المنقولة كنت أملك سيارتين؛ واحدة لي وأخرى لزوجتي. هذا كان من مالي الخاص.

أما لماذا الآن أربع سيارات، فلأن الخروج لا يمكن أمنيا أن يكون بأقل من ثلاث سيارات، مع العلم أن الخبراء الأمنيين يرجحون ألا يقل الموكب عن أربع سيارات كحد أدنى، ليكون المعني في إحدى السيارتين اللتين تتوسطان الموكب، لأن توسط سيارة واحدة بين سيارتين يجعل مكان ركوب المسؤول أو عضو الجمعية مشخصا، وبالتالي يكون استهدافه أشد. وتبقى سيارة في البيت لأن الزوجة مستهدفة أيضا ولا يمكنها أن تستخدم التاكسي وما شابه، إضافة إلى طروء حالات عطل على الواحدة من السيارات بين حين وآخر. تعدد السيارات لا يمثل إذن امتيازا بقدر ما يمثل عبءً في مصارف التصليحات، إضافة إلى ذلك يضطر الشخص إلى اقتناء سيارات أرخص مما يرغب أن يشتري لعدم كفاية المبلغ. تقول أننا استلمنا منحة قدرها أكثر من سبعة ملايين دينار بما يعادل خمسة آلاف دولار. لأن البيوت العائدة لي ولبقية إخواني وأخواتي مصادرة كلها ولم نستلم أيا منها حتى الآن، كان لا بد لي من استئجار بيت، راعيت أن تكون فيه سعة من أجل استيعاب عدد الحماية الذين يبيتون ليلا معي وكذلك لاستيعاب السيارات التي لا يمكن أمنيا إبقاءها في الشارع، وإلا فإني لا أحتاج إلا إلى بيت صغير جدا يكفي لي ولزوجتي، حيث لا أولاد لنا.

ولكن من أين أأتي بالمبلغ كي أستأجر هذا البيت؟ اضطررت إلى الاقتراض لدفع إيجار سنة كاملة، لأن العادة هنا لمثل هذه البيوت أن يدفع المستأجر إيجار سنة كاملة. من هنا ذهب أكثر من نصف المنحة تسديدا لجزء من الدين وبقيت مدينا بالجزء الآخر. وبقية مبلغ المنحة صرف للسيارات والأسلحة والدروع وبعض احتياجات البيت. ولكن هناك مبلغ آخر يدفع لنا شهريا وهو مخصصات خمسة عشر عنصرا للحماية. صحيح إن البعض يضع هذا المبلغ في جيبه، أو يضع جزءً منه في جيبه ويختلف الحال من شخص إلى آخر من هؤلاء، فيما إذا يضعون الحصة الأكثر أم الأقل في جيوبهم. أما أنا فالحمد لله لم يسمح لي لا ديني ولا ضميري ولا أخلاقي ولا مسؤوليتي الوطنية أن أتصرف من هذا المال ولو بدينار واحد، لأنه كان من البداية واضحا لي أنه لا يدفع لشخصي بل للحماية، بحيث كنت في الفترة الأولى عندما لم يكن قد اكتمل عدد الحماية بعد، كنت أوزع الباقي على أفراد الحماية الموجودين لدي بالتساوي حتى اكتمل العدد.

بل كنت أدفع زيادة لهم من جيبي قبل أن تقرر لهم زيادة في رواتبهم من 350 إلى 500 ألف دينار، وليس أي فرد من هؤلاء من أقاربي، لا من الأولاد ولا من الأصهار ولا من بني العمومة ولا من غيرهم من ذوي القربى، بل كلهم من مناطق فقيرة رشحوا لي واختبروا وقبلوا وكثير منهم من أبناء وإخوان الشهداء. أما إذا ما آلت نتائج الانتخابات إلى ألا أكون نائبا في مجلس النواب القادم، فأترك لكما الأمر لتحلا أزمتي، حيث سأبقى مهددا، لأني معروف من خلال الإعلام قبل عضويتي وأصبحت مستهدفا بدرجة أكبر بعدما أصبحت عضوا في الجمعية الوطنية وتصديت لأمور إعلامية ودستورية وغيرها مما يجعلني هدفا للإرهاب.

سيكون الراتب الذي لا يكفي حاليا 80% مما أتقاضاه الآن، وستقلص الحماية من خمسة عشر إلى ستة أفراد فقط، مما سيضطرني إلى أن أقرر ربما الالتزام بالإقامة الجبرية في البيت، ولا أخرج إلا في حالات الاضطرار القصوى. ولعلمكما أنا غير مضطر إلى ذلك، فإني أتمتع بجنسية إحدى الدول الأوربية، ولذا يمكنني أن أرجع متى ما أشاء، ويمكن أن أنتظر لحين استرداد بعض أملاكنا المصادرة لأوفر لي عيشا أكثر رفاهية مما عشته في ربع القرن الماضي في المهجر، ولكني أرى رسالتي لما تبقى من عمري في العراق ولخدمة العراقيين. ولعلمكما فإني اضطررت عندما عدت إلى العراق إلى أن أسترد رأسمالي الذي عشت من مردوداته لربع القرن الماضي وأدخله إلى العراق، فأنفقته كله منذ عودتي بعد السقوط، مما يمثل خسارة إضافية بالنسبة لي. نعم ولشديد الأسف البعض كما ذكرت ليس لديه إلا شخصان أو ثلاثة للحماية، وبعضهم لا يدفع كامل ما هو مخصص لراتب عنصر الحماية إضافة إلى محدودية العدد، والبعض يستخدم بعض أفراد أسرته بلا عوض، وبعضهم يدبر لنفسه حماية من أجهزة أخرى من خلال علاقاته، وبعضهم وضع حتى المنحة في جيبه لأنه استطاع أن يدبر سيارات من هذا الحزب أو ذاك المكتب تكون في خدمته دون إن يشتري سيارة واحدة له بنفسه، ودبر السلاح من خلال تلك المؤسسات الحزبية أو الحكومية، ولم يشتر سلاحا واحدا.

البعض وضع الزيادات التي دفعت لاحقا للحماية في جيبه أيضا. ومن هذا البعض من يتقاضى راتبا عن أيام ولعله أسابيع لم يداوم فيها، هذا كله بالنسبة لفهمي يمثل سرقة إما من حمايته أو من الدولة. البعض أتى فعلا ببعض ذويه إلى الجمعية الوطنية. لكن هذه الحالات لا تمثل ظاهرة عامة تنطبق على كل أعضاء الجمعية الوطنية أو أكثرهم بل هي حالات مفردة معدودة ونادرة جدا. صحيح إن أمر الراتب والمنحة والتقاعد أثار جدلا في الشارع العراقي، ووصل هذا الجدل المملوء بالسخرية أسماعنا بل توقعناه قبل أن نسمعه، بل علمنا أن المرجعية مستاءة من هذا الأمر، لأنها هي الأخرى لم تصلها الصورة كاملة، لذا أتمنى أن تقرأ مكاتب المرجعية هذا التوضيح الذي كتبته من قبيل "رحم الله من جب الغيبة عن نفسه".

فنحن يا عزيزي لم نعط الشارع العراقي (الأذن الطرشة)، كما ذكر، وإنه ظلم بحقنا عندما يقال أننا لم ننشغل بالدماء العراقية. هل من المعقول أن الذين يكتبون من مواقع المهاجر البعيدون عن كل المخاطر منشغلون بالكوارث التي تحل بالعراقيين أكثر منا، ونحن الذين نعيش في قلب الحدث ومستهدفون أكثر من غيرنا نعيش عدم الاكتراث؟ كثير منا لا يعرف للراحة طعما ولا يملك وقتا لأسرته، بل هو في شغل دائم وتواصل مع مشكلات الشعب ودؤوب في تقديم مشاريع القوانين التي من شأنها أن تخفف عن الشعب الكثير مما يثقل كاهله.

في فترة عملنا في اللجنة الدستورية كنا نداوم ستة أيام في الأسبوع، وبعضنا كنا نعمل في كثير من الأيام صدقاني من الساعة الخامسة صباحا حتى منتصف الليل، لأن عملنا لم يكن يبدأ من باب الدخول إلى الجمعية وينتهي إلى باب الخروج منها بل يرافقنا في بيوتنا وفي كل أماكن نشاطنا السياسي والإعلامي والاجتماعي خارج الجمعية. الفساد الإداري وسوء الخدمات والحالة الأمنية والبطالة ومظاهر التسول وتشغيل الأطفال والجريمة، كل هذا يعيش معنا ويجعلنا نعيش أزمة نفسية نكون في غنى عنها لو رجعنا إلى مهاجرنا حيث كرامة الإنسان ومراعاة ذوقه في النظام والنظافة والضمانات الاجتماعية وغيرها إضافة إلى ألفة تلك المجتمعات التي عاشها بعضنا عقودا من الزمن، من غير أن نتعرض وتتعرض عوائلنا للخطر ومن غير أن نشتم ونتهم.

أما النسبة العالية للتقاعد فلم تكن إلا لأننا سنبقى لفترة غير قصيرة مهددين أمنيا، ومن كان موظفا منا لن يستطيع مزاولة وظيفته لنفس السبب، ولن نستطيع أن نتحرك بحرية كبقية الناس. وإلا ففي الظروف الطبيعية تكون الإشكالات التي أوردتماها في محلها. ثم إننا إن شاء الله سنسعى إلم يكن في الفترة المتبقية من عمر الجمعية ففي مجلس النواب القادم لتوفير الرفاه لشعبنا، وإن شاء الله سيأتي اليوم الذي يتحقق لنا هذا الحلم فتصدقاني عندها ولو لاحقا.

أما القول بأن "أغلبنا متأكد من نفسه جيدا أن لا مكان له في مجلس النواب القادم أو في المناصب الوزارية الموازية له، أو وكلائها ولا حتى القريبة منها" فهذا قد ينطبق على البعض، ولكنه لا ينطبق على من يملك فرصة كبيرة في أن يواصل دوره في خدمة هذا الشعب واستكمال تشييد صرح العراق الجديد الديمقراطي المتطور إن شاء الله. نعم أنا معكما أن العراقيين سيزدادون هذه المرة وفي المرات التالية مرة بعد مرة وعيا سياسيا ومعرفة بمرشحيهم كي يكون انتخابهم أكثر دقة، وسينتخبون إن شاء الله أناسا يعرفونهم جيدا، ويثقون بهم، فعملية التحول لا تنجز بين ليلة وضحاها بل هي عملية تسير بمراحل وخطوات تتكامل وتتكامل معها تجربة الشعب ووعيه الانتخابي، ونأمل أن يكون المنتـَخبون التالون دائما أجدر وأكفأ وأنزه وأكثر وطنية وإخلاصا وهمة من الذين من قبلهم. نعم هناك أشخاص غير جديرين، ولكن صدقاني هناك من الطاقات لا سيما النسوية وبشكل خاص من الملتزمات ممن أثبتوا وأثبتن كفاءة عالية واختصاصا رائعا وهمة ونشاطا وحرقة قلب، بعضهن يبكين حسرة عندما يتأخر أي مشروع قانون لسبب أو لآخر يرين فيه خدمة للشعب أو لشريحة محرومة منه. البعض بل الكثير والله في حركة ونشاط دائبين لا يعرفون معهما طعم الراحة.

ليس الأمر كما تظنان فالدنيا ما زالت بخير وأهل الخير وأهل الضمير والوجدان وأهل الحس الوطني وأهل الغيرة وأهل الخوف من الله موجودون وبعدد ليس بالقليل كما تظنان ويظن الكثيرون، لكن وبصراحة هناك أيضا حالات خيبة أمل كثيرة، هناك ما يحزن ويبكي، هناك مدعيات ومزايدات وازدواجية، وهناك محسوبية ومنسوبية، وهناك وهناك، لكن هذا هو مجتمعنا وهؤلاء منه ولم ينزلوا من كوكب آخر، فمنهم من يملك إيجابيات هذا المجتمع وهي حتما ليست بالقليلة ومنهم من يحمل سلبياته وأمراضه وهي الأخرى ليست بالقليلة، لكننا لسنا يائسين، بل الأمل كبير والفرصة كبيرة والآفاق واسعة والمستقبل واعد إن شاء الله، ومع هذا أبارك لكما حرقة القلب على الوطن الحبيب، ولكن أتمنى عليكما ولى جميع من يكتب أن يتجنب التعميم والإطلاق القائمين على الظن، لأن الظن والتعميم والإطلاق كله مجانب للموضوعية العلمية من جهة ومجانب للإنصاف والعدالة من جهة أخرى، ولأن "بعض الظن إثم" ولذا يجب علينا أن نجتنب كثيرا منه.

ولكني لا أشكك في منطلقاتكما وهي من غير شك منطلقات وطنية تستحق الاحترام والإكبار. واعذراني إذا لم يرق لكما بعض ما رددت به على مقالتيكما المحترمتين، وأنا معكما في كثير من مفرداتها، ولكن ليس في كلها كما رأيتما.

.© 2005, Assyrian Democratic Movement-Patriotic Stream .  All Rights Reserved
الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني
^ العودة إلى اعلى الصفحة