ألعراقُ إنجيل خالد ... والآشوريون سفر في ذلك الانجيل.


منطقة سنجار واليزيدية
اليزيديون يمثلون افضل نموذج للجماعات العراقية السريانية التي تم تكريدها في
القرون الأخيرة



بقلم: سليم مطر – جنيف
19-11-2005

ان الحديث عن سنجار يعني الحديث عن (اليزيديين) المحسوبين على الاكراد .. ان يحتسب (اليزيديون) على الاكراد أمر ليس مهماٌ ما داموا يقطنون في منطقة عراقية وعاشوا تاريخ الرافدين وورثوا حضارة هذه البلاد من خلال دينهم الذي يعتبر ديناٌ رافدياٌ خالصاٌ مع تأثيرات “كردية عراقية“ واضحة.

عدد اليزيديين يبلغ اكثر من مئة ألف في العراق، 85% منهم يقطنون في جبل “سنجار“ في وسط منطقة الجزيرة غرب الموصل، والباقون في قريتي “الشيحان“ و “باعذري“ شرق الموصل.


بعض اليزيدية موجودون أيضاٌ في سوريا وفي أرمينيا. معظم المؤرخين والباحثين اعتبروهم من الاكراد، لكن بالحقيقة هم “عراقيون“ بكل معنى الكلمة. بصورة أدق انهم يمثلون افضل نموذج للجماعات العراقية السريانية التي تم تكريدها في القرون الأخيرة بحكم السيطرة الكردية على المنطقة والتزاوج القبائلي والثقافي الذي تم مع الجماعات الكردية النازحة. يشبهون في وضعهم هذا بعض القبائل العربية - الكردية الموجودة في العراق، مثل بعض أفخاذ الجبور وربيعة والبيات وغيرهم. انهم يحملون الثقافتين والانتمائين العربي - الكردي بـآن واحد. يتكلم اليزيديون العربية والكردية ويرتدون الأزياء الرجالية العربية السريانية والازياء النسائية الكردية. لهم كتابان مقدسان احدهما بالعربي “كتاب الجلوا“ يعود الى المتصوف الشامي “عدي بن مسافر“ وكتاب حديث يعتقد انه مكتوب بالكردي “مصحف رش“ أي “الكتاب الاسود“. يعتقدون ان اسمهم “اليزيدية“ يعود الى "يزيد بن معاوية الخليفة الاموي" الذي تم تقديسه بعد سقوط الدولة الاموية كرد فعل على تقديس "علي" من قبل “العلوية“ والشيعة المجاورون لهم. ثم انهم يقدسون فقيهاً عراقياً معروفاً هو “الحسن البصري“. ان سلالة جميع شيوخ اليزيدية يجب ان يكونوا منحدرين من هذين الامامين “عدي بن مسافر والحسن البصري“.

من دلائل أصالتهم السريانية، مثلاٌ انهم في سنجار يقدسون دير “مار عدي“ أحد حواري السيد المسيح، ويحتفظون فيه بأقدم مكتبة كلدانية مكتوبة على رق الغزال باعتبارها مكتبتهم المقدسة.

من ناحية تكوينهم الديني، فان المؤرخين والفقهاء لم يحسموا قضية انتماء اليزيدية للإسلام أم لا. لقد أسيء فهم الفكرة السائدة عنهم بأنهم يعبدون الشيطان: انهم يهابون “الملاك طاووس“ رمز قوة الشر (الشيطان) لا حباٌ به ولكن تجنباٌ لشره. يشبهون معظم الطوائف “الغالية“ التي حاولت ان تغطي معتقداتها السامية الأصلية بتلاوين مسيحية واسلامية، مثلما فعلت العلوية والدرزية والاسماعيلية والشبكية وغيرهم. ان اليزيدية تمثل خلاصة الدين البابلي القديم القائم على تقديس الكواكب السبعة المعروفة، والذي تأثر واضطر لتقبل المعتقدات السامية الجديدة التي انبثقت في المنطقة بعد سقوط بابل: المسيحية ثم المانوية البابلية ثم الاسلام. أي ان اليزيدية هم من بقايا المجاميع السامية السريانية التي فرض عليها التاريخ، للحفاظ على دينها الأصلي، ان تتقبل بعضاٌ من معتقدات الأديان الجديدة. بل ان ديناميكية اليزيدية اضطرت كذلك لتقبل ثقافات الأقوام الجديدة التي فرضت نفسها على المنطقة، أي ثقافة العنصر العربي أولاٌ ثم ثقافة العنصر الكردي الذي هيمن في القرون الأخيرة.

تاريخ اليزيدية عموماٌ مجهول ولم يتم الاهتمام به الا في القرن السابق، وهذا يعود أساساٌ الى تكتم اليزيدية ومحاولة ابتعادهم عن اثارة الطوائف الإسلامية والمسيحية المحيطة بهم. رغم هذا فانهم تعرضوا لحقبات من الاضطهاد والمذابح المعروفة خصوصاٌ في زمن الدولة العثمانية. في القرن التاسع عشر قام العثمانيون بابادة يزيديي جزيرة ابن عمر في منطقة الجزيرة وكذلك تم ذبح الآلاف في جبل سنجار لاجبارهم عن التخلي عن دينهم. في عام 1847م حاولت الحكومة العثمانية إجبارهم على الخدمة العسكرية باعتبارهم طائفة إسلامية، وبعد مذابح كثيرة اضطر الكثير منهم للجوء للكنائس وإعلان مسيحيتهم للتخلص من الاضطهاد. وتكررت المذابح كذلك في عام 1872 لنفس السبب. حاولت البعثات التبشيرية الأوربية كسبهم الى المسيحية دون ان تحقق نجاحاٌ ملحوظاٌ. يبدو انهم قد لعبوا دوراٌ مميزاٌ بالتحالف مع السريان في ضم الموصل الى العراق في عام 1925.

رغم ديمومة اللغة الكردية (مع العربية) في بعض نواحي اليزيدية فان هناك شعوراٌ متنامياٌ لديهم باصولهم السريانية الرافدية. في عام 1919 اشتركوا مع الآشوريين بوفد موحد بقيادة الجنرال آغا بطرس في مؤتمر السلام في باريس للمطالبة بحقوقهم. لقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط في /24 - 2 - 1993/ برقية شيخ اليزيدية الأمير معاوية يقول فيها: “انه ليس لمسعود البرزاني ولا جلال الطلباني - القادة الاكراد - الحق بالادعاء بانهما يمثلان اليزيديين والآشوريين“. ثم نشرت مجلة (حويودو- الوحدة) السريانية (عدد 43-1994) بياناٌ للأمير معاوية يتحدث فيه عن: “نبتة أجدادنا أيام الامبراطورية الآشورية..... اننا فهمنا تاريخنا باننا والآشوريين من أصل واحد...... “

ان من يطلع على تاريخ اليزيدية يكتشف ان هذه الطائفة تمثل خلاصة رائعة لتاريخ منطقة شمال الرافدين (منطقة الجزيرة). يمكن اعتبار اليزيدية أشبه بقصر تاريخي مظهره إسلامي مزين بنقوش عربية وعبارات كردية. لكن لو أزلنا هذه الاصباغ الخارجية عن الجدار لأكتشفنا تحتها طبقة من نقوش مسيحية بأيقونات ملونة وصلبان منحوتة. ولو تعمقنا اكثر بالحفريات لأكتشفنا طبقة ثالثة من جداريات آشورية ورسومات آلهة النهرين وكتابات مسمارية. ولو تعمقنا في الحفريات سنصل الى أعماق تاريخ المنطقة وجذورها البدائية المنسية. الحقيقة ان جميع طوائف واديان العراق وسوريا تتشابه في هذه الطبقات الآثرية المخفية، لكن اليزيدية من بين الكل هي اقل الطوائف التي نجحت بإخفاء طبقاتها التاريخية، بحيث تبدو وكأنها موزاييك رائع للتراث الديني والاقوامي لبلاد النهرين. يمكن ملاحظة هذا التنوع العجيب في اليزيدية من خلال الأمور التالية:


• اعتقادهم بأنهم من نسل آدم فقط وليس من نسل حواء، وإنهم أتو بعد الطوفان. • إعتقادهم بالكواكب السبعة المقدسة لدى العراقيين، لكنهم غيروا أسماء الآلهة البابلية بأسماء الملائكة السريانية المسيحية: يودائيل وإسرافيل وميكائيل وجبرائيل وشمنائيل ونورائيل، أما زعيم الملائكة الاكثر قدسية فهو عزرائيل “الملك الطاووس“ ، الذي تصوره البعض على أنه “الشيطان“. ويمثل هؤلاء الملائكة سبعة شيوخ مقدسين مثل الشيخ عدي والشيخ حسن وأبو بكر.

• يحتفلون بأول أربعاء من شهر نيسان بهبوط الملاك “طاووس“ الى الأرض، مثلما كان يحتفل اهل النهرين في بابل وآشور بشهر نيسان أول أشهر السنة حسب التقويم البابلي، لأنه شهر الربيع والخصب والميلاد والبداية. وهو عيد الاله (تموز). ويبدو جليا ان هناك تشابها بين اسمي (طاووس وتموز). نفس هذا الشهر أيضا كان يحتفل المانويون البابليون بيوم صلب “ماني البابلي“ وخلوده في الأبدية، وكذلك هو عيد الفصح وعودة المسيح للحياة.

• إنهم إقتبسوا من المانوية مسألة تناسخ الأرواح وإنتقال البشر بين حيوات عدة. • إنهم يشتركون مع المسيحيين في الكثير من المناسبات والأعياد مثل عيد الفصح والقيامة وكذلك التعميد بالماء وقطع الخبز، ثم زيارة الكنائس والحج لمزار الشيخ عدي المقدس أيضا لدى المسيحيين في العراق. • أنهم يشتركون مع المسلمين بالصيام والختان وتقديس القرآن وبعض رجالات الدين. • إنهم يحتفلون بعيد “القربانط" أي عيد الاضحى حيث ضحى النبي إبراهيم بولده إسماعيل.

• إنهم يعتمدون التقويم الشمسي الشرقي الذي كان يعتمده من قبلهم اهل النهرين في بابل وآشور. • إنهم يمتلكون تنظيما دينيا هرميا مثل نظام الكنيسة المسيحية والمانوية وكذلك الشيعة الجعفرية. بالإضافة الى تقديسهم أحفاد عدي والحسن البصري مثلما يقدس الشيعة أحفاد الأمامين علي والحسين.



.© 2005, Assyrian Democratic Movement-Patriotic Stream .  All Rights Reserved
الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني
^ العودة إلى اعلى الصفحة