قال ابو نوال، وهو أحد المعتقلين من قادة «القاعدة» في العراق، انه لم ينتم الى الجماعة ليقتل الأميركيين او ليقيم دولة الخلافة الاسلامية، بل انتمى لغرض المال. وقال ابو نوال، عامل التعدين العاطل عن العمل، انه كان يتلقى ما يصل الى 1300 دولار شهريا كمسلح. وتحدث في مقابلة بالهاتف من قاعدة عسكرية عراقية، حيث يعتقل، قائلا «وإلا كيف يمكنني اعالة عائلتي؟».
ويقول قادة الجيش الأميركي ان المتمردين في مختلف انحاء البلاد مدفوعون على نحو متزايد بالمال اكثر من الآيديولوجيا، وان عددا متناميا من خلايا المتمردين، التي تصارع من أجل دفع رواتب المجندين، تتحول الى القيام بعمليات تشبه عمليات عصابات ابتزاز الأموال. ورد المسؤولون العسكريون الأميركيون عبر شن حملة كبرى لشل الشبكات المالية لـ«القاعدة» في العراق ونشر الدعاية التي تصور زعماءها باعتبارهم قطاع طرق جشعين، وهو مسعى يصفه المسؤولون باعتباره عاملا رئيسيا في نجاحهم الأخير بإلحاق هزيمة بالتمرد.
وفي الموصل، قال الكولونيل ستيفن تويتي، قائد القوات الأميركية في محافظة نينوى، ان تفكيك الشبكات المالية للمتمردين هو السبب الرئيسي في انخفاض الهجمات من حوالي 18 يوميا في العام الماضي الى حوالي ثمان يوميا في الوقت الحالي. وقال تويتي «بدأنا نسمع الكثير من الكلام حول شحة المال لدى المتمردين. انهم غير قادرين على الحصول على المال من أجل دفع أجور لمنفذي العمليات».
وفي مقابلة دامت 30 دقيقة تحدث ابو نوال عن عمله في ادارة الميزانية السنوية لفرع الموصل لـ«دولة العراق الاسلامية» والتي تبلغ ستة ملايين دولار. ووافق الجيش العراقي، الذي ما يزال يحقق مع ابو نوال، على السماح لمراسل «واشنطن بوست» بلقائه شخصيا بعد طلبات متكررة بذلك. وقد ألغيت المقابلة في اللحظة الأخيرة، ولكن الجيش سمح للصحيفة لاحقا بالتحدث الى ابو نوال هاتفيا بينما كان يجلس في مكتب لجنرال عراقي.
وقال ابو نوال، البالغ من العمر 28 عاما، انه التحق بالجماعة في الصيف لأن عمله في التعدين توقف. وقال انه كان مسؤولا عن الأعمال الادارية وترتيب دفع الرواتب لحوالي 500 من المقاتلين المنتمين الى الجماعة في المدينة، ممن قال انهم يحاولون تنفيذ ما يصل الى 30 هجوما يوميا. وقال ابو نوال ان «معظم أموالنا تأتي من دفعات نتسلمها من أماكن مثل سورية وكذلك من عمليات اختطاف»، مضيفا ان الفدية يمكن أن تصل الى 50 ألف دولار للشخص الواحد. ولكنه نفى المزاعم الأميركية من ان الهجمات في المدينة انخفضت لأن تمويل الجماعة توقف، وقال «ما زلنا نمتلك المال».
ولم يكن ممكنا التحقق بصورة مستقلة من كثير مما أورده ابو نوال على الرغم من انه قال انه يتحدث بحرية وبدون اكراه من جانب سجانيه. وكان توصيفه لقدرة التمرد على الحياة في بعض الحالات أكثر تفاؤلا من التوصيف الذي قدمه مسؤولون عراقيون وأميركيون. لكن ابو نوال ومن اعتقلوه وافقوا على ان العراقيين التحقوا بالتمرد بسبب الحاجة الاقتصادية. وقال ابو نوال انه «من الطبيعي اننا نكره الأميركيين ونريد رحيلهم في الحال. ولكن السبب الذي دعاني وكثيرين غيري الى الالتحاق بدولة العراق الاسلامية هو إعالة عوائلنا».
وجاء في مذكرة الى المدير الاقليمي للشرطة من مسؤولين عسكريين اميركيين انهم يريدون ان يثيروا الشكوك في ان تحقيق المكاسب المالية الشخصية هو الجانب الأكثر اهمية لدى كبار قادة تنظيم «القاعدة في العراق». وجاء في المذكرة ايضا ان ابو نوال اعترف بأن قائد المجموعة في شمال العراق، ويدعى محمد الندى او ابو بشائر، وجّه المقاتلين بشن هجماتهم على المدنيين بغرض تثبيت الخوف والفزع لديهم تجاه تنظيم «القاعدة في العراق». وأشارت المذكرة الى ان المجموعة تتلقى الكثير من الأموال عن طريق ابتزاز وخطف المواطنين العراقيين. وورد في المذكرة كذلك انه جاء ضمن اعترافات ابو نوال ان «غالبية الأموال تظل بحوزة كبار القادة ولا يتقاضى المقاتلون سوى مبالغ مالية ضئيلة»، واعترف ايضا بأن زعيمين في المجموعة، هما محمد بازونة وفؤاد، اصبحا اثرياء بفضل هذه النشاطات ولا يسددان رواتب مقاتليهم ولا يزودونهم بالموارد اللازمة لشن هجمات فاعلة. إلا ان ابو نوال انكر من جانبه ان يكون قد ادلى بالاعترافات التي جاءت في المذكرة.
وأشارت المذكرة ايضا الى ان ابو نوال كـ«أمير للمجموعة» في الموصل، على الرغم من ان مسؤولين اميركيين وعراقيين قالوا انه نائب امير المجموعة في مدينة الموصل. وقال مسؤولون اميركيون إن ابو نوال هو آخر ممول سنّي يجري اعتقاله في إطار الحملة التي شنت خلال العام الحالي لعرقلة شبكات تمويل المجموعة. وقال تويتي، قائد اللواء في الموصل، ان هذه الجهود قد بدأت في ابريل (نيسان) الماضي عندما توصلوا الى ان الحملات التي استهدفت العناصر العادية للمجموعة لم تكن فاعلة على النحو الذي كان متوقعا. وأضاف قائلا ان العمليات التي تنفذها قواته ظلت تسفر عن قتل واعتقال أعداد من المتمردين، لكنهم لم يقضوا بعد على رأس الحية، على حد وصفه. واستطرد قائلا انهم توصلوا الى ان تنفيذ عمليات بصورة افضل تؤدي الى قطع رأس الحية يتطلب منهم بالضرورة النظر الى الجانب المتعلق بتمويل المجموعة. وأضاف ان عمليات الابتزاز التي كانت يمارسها تنظيم «القاعدة في العراق» امتدت الى كل الأعمال التجارية بمدينة الموصل، بما في ذلك مصنع للبيبسي ومصنعان لإنتاج الاسمنت وشركة للهواتف الجوالة، كانت تدفع للمتمردين شهريا مبلغ 200000 دولار. وقال الكولونيل ايريك ويلش، قائد الكتيبة المسؤولة عن الموصل، ان أكبر مصدر دخل مالي للمجموعة تحقق بواسطة عملية احتيال عقاري اثر سرقة المجموعة وثائق تسجيل اراض وعقارات قيمتها 88 مليون دولار وباعتها مجددا. وأضاف ويلش ان الموصل تعتبر مركزا لتحويل الأموال للمتمردين من سورية ودول اخرى، وأشار الى ان ثلاثة من اكبر المصارف في العراق لديها فروع في الموصل. وقال ايضا ان القوات الاميركية اغلقت عددا من مكاتب تحويل الأموال في الموصل. جدير بالذكر ان القوات الاميركية عندما ألقت القبض على ابو نوال في 25 سبتمبر(أيلول) الماضي وكان يحمل جواز سفر يدل على انه زار سورية 30 مرة. وألقي القبض على آخر يعتقد انه المسؤول المالي لتنظيم «القاعدة في العراق» بمحافظة نينوى كان مسؤولا عن المفاوضات بشأن إطلاق المخطوفين، وقالت السلطات انها عثرت بحوزته على شيكات مصرفية بقيمة 77 مليون دينار عراقي، أي 600000 دولار أميركي.
*خدمة «واشنطن بوست» ـ (خاص بـ«الشرق الأوسط»)