بداية ، أقدم إعتذاري لأستاذي نورا القس زيّا على يده تعلمت أبجديتنا الأشورية في كنيستنا بمنطقة الدواسة من مدينة الموصل ، وذلك لعدم إستئذانه قبل نشر هذا الجزء من الحوار الذي أجريته معه أثناء لقائي به في نهاية عام 2007 ، أي بعد زيارتي الأولى لمدينة نوهدرا (دهوك) . صراحةً ، لم أكن أتوقع مطلقاً بأن أراه في الوضع المؤلم الذي لفت نظري على الفور ، وهذا بعد أن قضى سنين طويلة في النضال والكفاح من أجل شعبنا الأشوري ومنذ مطلع شبابه . ومع ذلك ، كان لقائي معه شيقاً ومثمراً لما أظهر من حكمة وحنكة سياسيتين إكتسبهما مما إختبره عبر سنوات من النضال كأحد مؤسسي الحركة الديمقراطية الأشورية وكعضو مكتبها السياسييّ ليلم بدقائق الأمور ويقف على حقيقة خلفياتها وحيثياتها وبما يجدر بالتقدير .
بُعَيد وصولي إلى مدينة نوهدرا (دهوك) قادماً من المهجر وسؤالي عن مكان إقامة الأستاذ نورا القس زيّا ، المعروف باسم الدكتور هرمز القيادي في الحركة الديمقراطية الأشورية ، تفاجأت ، فعلاُ ، حين قيل لي بأنَّه قد غاب عن الساحة السياسية ولم يشارك في نشاطات شعبنا وفعالياته إلاّ فيما ندر . عندئذ قررت بأن ألتقي به أيّاً كانت الأحوال لعلَّه يبدد كل التساؤلات التي تشغل خاطري والمتعلقة بمستقبل شعبنا ومصيره ، وكذلك قضيتنا الأشورية التي أخذت تتراجع عقب سقوط نظام بغداد ، لا بل عادت إلى (خانة اليك)، ولأسباب كنت واثقاً بأنَّها غير خافية على الأستاذ نورا . ولم أجد صعوبة في لقائه إذ كان عاطلاً عن العمل ، وقد قال (إني عطّال بطّال) ردّاً على سؤالي الأول له . بصراحة ، حين عرَّفته بنفسي ، لم يتذكرني جيداً كما كنت أتوقَّع ، لكنّي علَّلت ذلك لكوننا تلامذة صغار حين كنّا نذهب إلى كنيستنا أثناء العطلة الدراسية الصيفية لكي نتعلم لغتنا الأشورية . ومع ذلك رحَّب بي أيما ترحاب وسُرَّ بمشاهدتي . أمَّا عائلة الأستاذ نورا فكنت قد التقيت بها في إيران أثناء سفري الى الخارج . وهذا أقول وبدون تحفُّظٍ ، إنَّ الأشوري العراقي الذي لايعرف عائلة الخوري اسقف زيّا بوبو ، راعي كنيسة المشرق الأشورية في نينوى ،والذي فَرَّ إلى إيران في عام 1984 هرباً من بطش السلطة وإضطهادها له بما في ذلك تشويه سمعته لمواقفه القومية الجريئة وبسبب وجود إبنه (الأستاذ نورا) في قيادة الحركة الأشورية أيام الكفاح المسلَّح ، فهو لايعرف إلا القليل عمَّن عانى من أبناء شعبنا ولايزال .
لقد كان لقائي بالأستاذ نورا مفيداً حقاً . وأقول هذا إعترافاً بفضله وإضافة لسجله الحافل بالمواقف الشريفة . فقد تفضَّل بالاجابة على أغلب أسئلتي ، بينما أبدى تحفظاً تجاه القليل منها أيّ التي تمس بزملائه في قيادة الحركة الديمقراطية الأشورية ، حيث ردَّ عليها باقتضاب : لن أجيب على أسئلة كهذه إلا بوجودهم وبمحضَرالجميع .
س. كيف ترى مستقبل شعبنا ومصيره في العراق ؟
ج. بالحقيقة إنَّ مستقبل شعبنا غامض . ولا يلوح في الأفق مايؤمل حالياً . فقد أصبحنا منسيين ومهمشين من جميع الأطراف .
س. ماذا عن الحكم الذاتي الذي يروِّج له البعض ؟
ج. أنا لست ضد الحكم الذاتي ، ولكن يؤسفني بأنَّه يطرح ضمن أجندة غيرنا .
س. ماذا عن أحزابنا المطالبة بالحكم الذاتي ؟ ....هنا لاحت على وجهه إبتسامة عريضة فأجاب :
ج. وهل لدينا أحزاب ... صحيح ان لدينا عناوين كبيرة لأحزاب كثيرة لكنَّ جميعها تعمل ضمن أجندة الغير .
س. هل تقصد بذلك أنَّها أحزاب عميلة ؟
ج. لن أقول ذلك عن كلَّ الأحزاب لوجود أفراد مؤمنين فيها ، ممَّن لايعرفون بأنَّهم وضعوا على السكة الخاطئة وفي مسارٍ لايسعهم الخروج منه . وأعضاء هذه الأحزاب (...؟) منقسمون إلى عدة كتل ، فمنهم المخلصون ، والساكتون ، والمنتفعون ، وهناك العملاء والجميع يسير وفق برمجة غيرهم ولا حول لهم ولا قوة .
س. ماذا عن المجلس الشعبي الكلداني السرياني الأشوري ؟
ج. إنَّه إسم بلا جسم . وبنظر شعبنا ، ليس هذا المجلس إلا تلك البقرة الحلوب التي يحاول أعضاؤه الاستفادة من حليبها وهم أبعد مايكون عن قيادة شعبنا .
س. هل من قائد لشعبنا في الوقت الراهن ؟
ج. لا ... لأن القائد هو من ينال مصداقيته من الشعب ويشترع به أو يأتي فارضاً نفسه بطغيانه كما كان صدام . أمَّا الذي يُعَيَّنُ من قبل الغير فهو لن يتعدى كونه أكثر من طفل ذلك الغير الصنيع ، فيكون بالتالي مهزلة الشعب وليس قائده .
س. ماذا عن القرى التي تم تعميرها ورجوع سكانها إليها ، أليس ذلك حلاً لجزء من مشكلتنا ؟
ج. لست ضد تعمير القرى وعودة سكانها . لكن العودة إلى هذه القرى غير مخططة لصالح شعبنا . فلا يمكنك بأن تشعر بمعاناة العائدين إلا إذا سكنت معهم في تلك القرى . فالمئات الذين عادوا إلى قراهم يعانون من صعوبة العيش . والأرض التي يملكها الواحد منهم بالكاد تنتج أية غَلَّة ، هذا إذا كان يملك أرضاً يزرعها . فكيف بالآلاف ممَّن يعيشون في المدن وعليهم دفع الايجار لقاء سكنهم في الوقت الذي يصعب عليهم إيجاد عمل ، وبالأخص ، أولئك الذين لايروجون لسياسة الأحزاب الحاكمة ، لترى إعتمادهم الكلّي على أقربائهم الذين يعيشون خارج العراق . وقد فضَّل الكثيرون منهم الهجرة على هذه الأوضاع المعيشية الصعبة ، ناهيك عن الأمنية . وعلاوة على ذلك ، هناك العديد من القرى الأشورية المتجاوز عليها بوضع اليد من قبل الأكراد ، ومنها ما كُرِّدَتْ بالكامل ، وأحزابنا وقادتها المار ذكرهم صُمُّ بكم وغير مبالين تماماً وكأنَّ أمرها لايعنيهم في شيء . وإنطلاقاً من هذا الواقع أقول جازماً ، بأنَّه ما أنْ يستقرَّ الوضع في بغداد حتى تُهجر تلك القرى المعمرة فتصبح كشواهد مرحلة أو يستولي عليها الأكراد المترِّبصون بها والمستعدون دوماً للسكن فيها .
س. ماهي برأيك الوسيلة الصحيحة لضمان بقاء هؤلاء الناس في قراهم ؟
ج. الجواب بسيط وهو ، أن تحاول مراعاة مصالح هؤلاء الراجعين وضمان معيشتهم في تلك القرى . أي أن توفَّر لهم الأشغال بالقرب من قراهم . وهنا أود أن انتقد مشروع وخطة التعمير ، إذ كان من المفروض والأصح أنْ تُضَمَّ عدة قرى في قرية عصرية واحدة لتأمين المعيشة لأصحاب جميع المهن والحرف ولتوفير الأشغال للجميع ، وكذلك المرافق التعليمية ومستشفى على الأقل . وإذ أمكن إنشاء مصنع أو معمل أو حتى مزرعة حيوانية تتيح العمل للمئات أو الآلاف لتأمين حياة كريمة للجميع . عندئذ فقط ستبقى غالبيتهم على الأرض ولن تلجأ إلى الهجرة الإقتصادية . ومع مرور الزمن تتوسع تلك القرية العصرية لتصبح بلدة فمدينة وهكذا . إن الأشوري كغيره من البشر توَّاق إلى المَدَنيَّةْ ، فهل من المعقول أن تتوقع بأن تعيش أربع عوائل أو عشرة ، أو حتى عشرين عائلة في قرية نائية معزولة عن الحضارة .
س. ولكن ما نشاهده على شاشة قناة عشتار الفضائية يخالف ماتقوله .
ج. لتقل قناة عشتار ما طاب لها لكن الواقع لايقرب مما تصوِّره إيجاباً .
س. لقد حدثتني عن وضعك الشخصّي وعمّا دفعك إلى الابتعاد عن جميع الفعاليات الأشورية وأنت كنت واحداً من أوائل الملتحقين بالكفاح المسلَّح ضد نظام صدام ، ولقيت عائلتكم من الاضطهاد والعذاب مالم تلاقيه أية عائلة مسيحية في العراق على الاطلاق . وبصراحة ، بعد سقوط النظام ، كنت أتوقع بأن أراك وقد عينت وزيراً أو،على الأقل، مسؤولاً في موقع إداري وذلك مكافأة لك واعترافاً بنضالك ونضال والدك (رحمه الله) وتضحياتكما؟
ج. سأجيب باختصار دون الخوض في التفاصيل . أقول ، بكل صراحة ، أنَّ زمن المبادئ قد ولىّ وحل محله زمن المساومة بما تخدم المصالح الشخصية . وبات الفرد المبدئي غير مرغوب فيه لأنّه لا يسير وفق الأجندة التي ترسم له .
س. إذَنْ ...لماذا لاتهاجر وتعيش مع إخوانك في أستراليا أو أمريكا طالما إبتعدت عن الساحة السياسية الأشورية ، ولست تتقاضى أي راتب من أية جهة رغم السنوات الطويلة التي قضيتها في الكفاح المسلح والنضال من أجل قضية شعبنا الأشوري ؟
ج. لقد قلت لك إنني صاحب مبادئ ، فكيف تنتظر مني بأن أهاجر وأنا الذي بشَّرت على الدوام وأقنعت الكثيرين ولسنوات عديدة بعدم الهجرة وذلك حرصاً على وجود وبقاء شعبنا على أرض الوطن .
س. هل هناك من أمل لشعبنا لكي ينال حقوقه المشروعة أسوة بباقي مكونات الشعب العراقي ؟
ج. أنا ، شخصياً ، لم أفقد الأمل يوماً ، وإن كان لا يلوح في الأفق أي بصيص أمل في الوضع الراهن . ولكن إن إستطاع الشرفاء من سياسيينا والنخبة الصالحة من أبناء شعبنا أن يوجهوا شعبنا للسير على السكَّة الصحيحة فانا واثق من أننا سنحصل على حقوقنا كاملة وغير مبتورة .
س. ماهي السكة الصحيحة برأيك ؟
ج. السكة الصحيحة هي التوجه الذي ينبع من إرادة الشعب ... فلحد اليوم لا يعرف شعبنا ماذا يريد ، ويوم يعبِّر ، وبصوت موحَّد ، عن إرادته فلابد أن يدرك غايته .
س. كيف لشعبنا أن يحدد غايته ؟
ج. لابدّ من شباب واعٍ وشجعان لا يخافون شيئاً وينهضون شعوراً بالمسؤولية الكبيرة تجاه شعبهم ووطنهم ، ويتحلَّون بصفات المناضلين ، ناكرين ذواتهم ومستعدون للتضحية في سبيل قضية شعبهم إذا فرضت الظروف . ويكونون ممن يصرُّون على وحدته ولا يتحيزون إلى أي مذهب كنسي أو دين ، وبالتالي ، لا يساومون إنطلاقاً من مصالحهم الشخصية إذا أتى ذلك على حساب مصلحة شعبنا . ومتى إلتمَّ هؤلاء الصابرون ، وللصبر حدود ، عندها وبمثالهم سيعبِّر شعبنا عن إرادته الحقيقية .
س. هل تظن أنه لايوجد في شعبنا مثل هؤلاء الشباب ؟
ج. بالعكس ، فانا لم أقل بأنه لايوجد في صفوف شعبنا مثل هؤلاء الشباب ولكنهم إما هم بعيدون عن السياسة أو هم أعضاء أحزاب لم تجد السكة الصحيحة بعد ، ومع الأسف ، أغلب شبابنا هم أسرى التَسَلُّطاتِ السلبية والموروثة كالاتكالية على الغير وعدم الايمان بالنصر وفقدان الثقة بالنفس . وهذه الأخيرة ، تحبط عزيمة الكثير من الشباب المؤمنين والجريئين . وكما ذكرت أعلاه ، متى إلتمَّ هؤلاء إلى بعضهم وحرروا أنفسهم من ترسبات الماضي الأسود وظهروا على مسرح السياسة ، حينئذ ، سيمكننا القول بأننا منعمون بشباب جدي قادر على التغيير . لأنَّ الفرصة المتاحة اليوم للانخراط في النشاط السياسي القومي والوطني قد لاتتوفر أمامهم غداً . وأنا بدوري أناشد هؤلاء الغيورين وأحثهم على زعم مسؤوليتهم القومية والمباشرة بالعمل دون الاعتماد على الموجودين في الساحة حالياً . إذ ليسوا إلاّ سرابا مُضِلّلاً أو أبواقاً مأجورةً هدفها الأول والأخير هو تمرير أجندة الغير .
س. مارأيك بالكنيسة وإن كان والدك كاهناً نشطاً فيها لتواجه عائلتك الصعاب بسبب ذلك ؟
ج. الكنيسة لا تختلف كثيراً عن الأحزاب وقد تكون أحزابنا وريثة مافي الكنيسة . فالصراعات الداخلية ظاهرة في الكنيسة كما هي في الأحزاب . وكنائسنا في صراع دائم بعضها مع البعض ، لذا فهي لا تختلف عن أحزابنا ، وهي مبتلية أساساً بمرض الانشقاق .
س. وأين تكمن العلَّة فيما نراه واقعاً في شعبنا ؟
ج. العلَّة في القائمين على الكنائس والمسؤولين على الأحزاب . إذ أنهم لايؤمنون بشيء . وهم ضعفاء النفوس ولا يميزون أي شيء غير مصالحهم الذاتية وأنانيتهم تعلو فوق كل شيء . فلو كانوا مؤمنين لكانوا شجعان لا يخافون شيئاً ، وأقصد الإيمان بأي شيء كان ، فكيف الإيمان بالمسيح الذي علمنا بألاّ نخاف من الذين يقتلون الجسد . ومتى ما آمن مسؤولونا بشيء غير مصالحهم الشخصية وهجروا أنانيتهم ، عندها ستتغير المعادلة السياسية العراقية التي أسقطنا منها لنجد أنفسنا اليوم مهمشين ، فنعود عنصراً هاماً في المعادلة السياسية الوطنية وخصوصاً ونحن على عتبه بناء عراق جديد على أنقاض الأسس التي اعتمدت في بناء عراق عام 1921 الذي إنهارت أركانه لركاكتها أصلاً .
س. هل تفضل عودة نظام صدام على الوضع القائم ؟
ج. مع إبتسامة واستغراب ، قال ... لا بالطبع ، لا أفضل عودة نظام صدام الذي حاربناه طويلاً ، لكنَّ القائمين على الحكم اليوم أثبتوا للجميع بأن صدام حسين كان أفضل منهم وأكثرهم عراقية ، ويوم إعدامه أثبت تمسكه بأفكاره وايمانه بها . ولكنّي أتطلّع الى اليوم الذي يعلو فيه القانون على الجميع ، ولا أن يعلو حكامنا على القانون ، كما يجري في الوقت الحاضر .
أكتفي بنشر هذا الجزء من الحوار لما فيه من أمور مفيدة لكي يطلع عليها أبناء شعبنا بكل إنتماءاته . وأنا شخصياً يحزنني بأن أرى عائلة الأستاذ نورا القس زيّا التي كرست حياتها في سبيل نهضة شعبنا وكانت حاضرة للتضحية في سبيله دون تردد أو خشية ، وقد باتت منسية ومنزوية ونحن غير آبهين لها ، حكومة عراقية وأحزاباً ، وحتى كنيسة المشرق . في حين نرى جميع الشعوب وهي تقدر رموز نضالها الذين تعرضوا للاضطهاد في سبيلها ، وتخدمهم ولو بالقليل ، وترفع مقامهم لكي يصبحوا مثلاً تقتدي به الأجيال القادمة . فكيف بنا ، وأين نحن من أناس في شعبنا ممن ضحوا بزهرة شبابهم في سبيل شعبنا وقضيتنا . أليس حَرِيُّ بنا بأن نبدي موقفاً تجاه هؤلاء ، ومنهم عائلة الأستاذ نورا التي ضحت بالكثير من أجل شعبنا ومن أجل الوطن ، وهذا سؤال نوجهه إلى من يهمه الأمر . أليس من المعيب أن نتجاهل أبطالنا ومناضلينا ، أَوَلَمْ يصدق محاورنا حين قال : بأن فينا أنانيين لا يؤمنون بأي شيء . وإلاّ فأين هم من تكريم مناضلينا ورجالاتنا الذين ضحوا في سبيلنا جميعاً . وختاماً أتطلع إلى اليوم الذي أرى تلك النخبة وهي تستجيب لنداء مناضلنا المقدام أستاذي العزيز نورا القس زيا الذي آمل بأن يقبل إعتذاري لعدم طلبي الأذن السبق منه قبل نشر هذا الحوار . وإلى لقاء قريب إن شاء الله .