|
يدمرون حضارتنا..... ويمسخون تاريخنا ... لماذا ؟
| |
|
Apr 30, 2008 كتابات - مظفر الطالب |
|
العراق مهد الحضارات الانسانية الأولى التي قدمت للبشرية الكثير من عوامل التطور والنهوض واليقظة في مختلف مناحي الحياة المادية والروحية وغيرها. على أرض العراق أزدهرت حضارات عظيمة ومعروفة بعطائها . من منا لم يسمع- إن لم يقرأ-عن حضارة سومر وأ كد ،وبابل وأشور وغيرها في عصور ما قبل الميلاد مرورا بالحقب التاريخية المتلاحقة. ومن منا يستطيع تجاهل تأثيرات تلك الحضارات وإشعاعاتها وامتداداتها إلى ما يجاورها منذ الألف الخامس قبل الميلاد وما يزيد . وهل يمكن أن نتحدث عن التاريخ الانساني عموما في العصور القديمة دون الإشارة إلى تلك الحضارات؟ لماذا تستهدف حضارتنا ؟ ولماذا يستهدف تاريخنا؟ ولماذا يستهدف تراثنا بهذا الشكل المريع من التدمير ؟ اسئلة مهمة بحاجة الى إجابات.
تدمير مقصود
يخطىء من يتصور أن قوات الاحتلال الغازيه دخلت العراق (لإنقاذه ) من الظلم والتسلط والطغيان ، وإنها استهدفت النظام فيه فقط .ان الآمر أبعد من ذلك بكثير بالتأكيد . قوات الاحتلال جاءت أولاً لتدمر الدولة العراقية، ولتدمر حضارة العراق بكل ما تحمله من شواخص ومعالم خالدة. قوات الاحتلال أرادت بالتأكيد أن تمحي ذاكرة العراقيين ، وأن تقطع جذورهم بماضيهم الذي يستمدون منه العزم والقوة والعطاء والصمود ومجابهة التحدي . انها استهدفت محو ماضي العراق وإلغا ئه من خلال سرقة أثاره وكنوزه وممتلكاته التي لاتقدر بثمن والتي تبرز الجوانب المشرقه في تاريخ العراق العظيم وعطائه المتميز عبر المراحل التاريخية المختلفة .لم يأتي الغزاة إلى العراق لإعادته إلى العصور المظلمة فحسب وإنما لتدميره نهائيا وبإصرار. جاؤا بحقد صهيوني يلتحفون مبادىء الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ومحاربة الارهاب وغيرها ،ويبطنون حقدهم وهمجيتهم وعنصريتهم وغطرستهم التي ظهرت أثارها واضحة بعد الاحتلال من خلال افعالهم واعمالهم الوحشية والمشينة .ولو تركنا الاعمال العسكرية وما ترتب عليها من نتائج ، وما حصل للبنى التحتيه، لوجدنا ان عمليات السرقة والتدمير التي طالت الآثار والكنوز العراقيه ، وحرق مباني الوزارات ، وأماكن حفظ الوثائق وغيرها ، قد تمت أمام انظار قوات الاحتلال وبمباركتها . فالطريقه التي أعتمدت في تدمير المتحف الوطني - على سبيل المثال - وباعتراف أغلب علماء الآثار ، والوصول الى الآثار النفسية ، وفتح الخزائن ، كانت مدروسة ومنظمة جدا. أما اماكن حفظ الوثائق فقد استخدمت في اتلافها المواد الكيماوية الفعالة الشديدة الاشتعال لالحاق أكبر قدر من الضرر والاتلاف . وكل ما تقدم يوحي بوجود الكثير من العصابات والمافيات المنظمة ألتي رافقت قوات الاحتلال وقامت بعملية التدمير والتي تقف ورائها قوى إقليمية ودولية متعددة عبرت عن همجيتها وحقدها على العراق أرضاً وشعباًً وحضارةً . ليس هذا فحسب بل أن من قام بعملية سرقة وتدمير المتحف كان على دراية جيدة بمحتوياته وعلى قدر عالي من الدقة والتشخيص لأن أغلب ما سرق نفيس ولا يقدر بثمن . وأغلب المسرقات تعود إلى عصور مختلفة حتى ان بعضها يعود إلى الألف السادس قبل الميلاد .وما لم يتمكن السراق واللصوص من حمله، قاموا بتدميره بأدوات مخصصة لهذا الغرض. ولايمكن أن يحصل ذلك بطريق الصدفة إطلاقا. وعليه لانبالغ إن قلنا ، انه في موازاة التخطيط والاعداد للحرب كان يتم الاعداد لإبادة تاريخ العراق وحضارته وتدمير وسرقة أثاره.. إنهم بأفعالهم المخزيه تلك يكررون مأساة التاريخ ويذكروننا بهمجية هولاكو حينما قام جنده باستباحة بغدادعاصمة ودُرة العالم الاسلامي لنحو خمسة قرون وتدميرها (1258م) (656 هـ). و قتلوا ما يقرب من المليون. ولم يكتفوا بذلك فدمروا البنيان،وسرقوا الكنوز والنفائس، وأتلفوا الكتب والمخطوطات ، وملاؤا دجله بها، وجعلوا الدماء تسيل في أزقة بغداد وأروقتها وشوارعها ،. ما جرى سابقا على هذه المدينة العريقه الصامدة تكرر اليوم على أيدي الغزاة اللذين قتلوا أيضاً ما يقرب من المليون،أغلبهم قضوا باعمال القصف العشوائي والتفجيرات والمفخخات والاغتيالات والتصفيات الجسدية طيلة فترة الغزو، وشردوا الملايين داخل وخارج العراق . . وذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير ، ودمروا ليس متاحف بغداد فحسب وإنما متاحف الموصل والبصرة والعمارة والكوت وبابل والسليمانية وكركوك، ولم تسلم أي محافظه عراقية من عملية التدمير والتخريب . حتى المراقد الدينيه والأماكن المقدسة لم تسلم من عبث الغزاة ومن حقدهم وحقد من والاهم . والسبب واضح، إنهم يحاولون طمس حضارة عريقة عمرها أكثر من ستة الآف سنة
حقد وعداء تاريخي
ان ما قامت به قوات الاحتلال الغازية ومن وقف معها وساندها قبل واثناء عملية الغزو، يعود في تقديرنا لإحقاد تاريخية وعداوات قديمة . وقد ساهمت إسرائيل و القوى الصهيونية العالمية المعروفة بعدائها التاريخي للعراق ، وبعض القوى الاقليمية الاخرى بشكل مباشر في عملية التدمير المريعه.ولنتذكر هنا ونسأل : هل تنسى القوى الصهيونيه ما قام به (سرجون الثاني 722 - 705 ق م) الذي عرف بفتوحاته الخارجية العظيمة وإنجازاته الكبيرة ومنها القضاء على الوجود اليهودي في (السامرة ) سنة (721 ق م ) وطرد عدد كبير من اليهود منها بسبب مؤامراتهم ومشاكلهم الكثيره ؟. وهل تنسى القوى الصهيونية الملك (نبوخذ نصر الثاني 604- 562 ق م) الذي يعد حكمه من العهود الخالدة والمجيدة في التاريخ البشري ، والذي قام بحملة تأديبية على مملكة (يهوذا) الصغيرة والطارئه في وجودها والمثيره للشغب والمشاكل وإثارة الفتن بحدود (596 ق م) وبعدها في (586 ق م) ؟واذا ما تركنا الماضي تجنبا للاطالة فإننا نسال أيضأ : هل تنسى القوى الصهيونية الدور الذي لعبه العراق في الصراع العربي - الصهيوني ؟ كذلك هل تنسى بعض القوى الإقليمية الدور الذي لعبه العراق في الدفاع عن الحدود الشرقية للوطن العربي وتصدية للاطماع التوسعية العنصرية ؟
نهب مستمر وردود افعال باهته
ان الكثير من المواقع الأثارية العراقية لا تزال تتعرض إما للنهب أو التدمير ، والحكومة عاجزة عن فعل شىء . وخاصة إذا ما علمنا بوجود مابين (12- 15) الف موقع أثري . وهناك الكثير من المدن البابلية والسومرية والآشورية تعرضت للتخريب المتعمد أحياناً وللسرقة والنهب احياناً أخرى من قبل افراد القوات العسكرية الغازية . على سبيل المثال ، قامت القوات البولندية والأيطالية بتأسيس بعض منشأتها العسكرية في المواقع الآثارية ذاتها وأحدثت أضرار بالغة فيها كما حصل مع تلك الواقعة في محافظة بابل . في محافظة ميسان - على سبيل المثال - ايضا يوجد اكثر من (335) موقع أثري ، قسم منها مجاور للحدود الايرانية ، تتعرض أيضاً للنهب والسرقة . ولا نبالغ إن قلنا أن اغلب المواقع الآثاريه في جنوب العراق تخضع لسيطرة اللصوص وللعصابات وعبثهم وتخريبهم . وهناك من يقدم العون لهم من خلال شراء ما يعثرون عليه أو يسرقونه. وغالباً ما يتم شراء تلك المسروقات من قبل قوى دولية وإقليمة معروفه . ويتم نقل تلك المسروقات إلى دول مجاوره أولاً وبعدها إلى الأسواق الأوروبية والأوساط ذات العلاقة . وقد حمّل خبراء الأثار في أكثر من مناسبه قوات الاحتلال مسؤولية تدمير الأثار ونهبها والإتجار بها وتهريبها. . في مقال له في صحيفة (الاندبندت)في (17/9/2007) حمل عنوان(انه موت التاريخ ) ركز الكاتب البريطاني (منسيك)على موضوع سرقة الآثار العراقية بقوله (ان الدمار شبه الكامل الذي تعرض له تاريخ العراق الذي يعد مهد الحضارات الانسانية ، شكل أحد أهم رموز الخزي لاحتلال العراق المأساوي ) . ورغم المناشدات والصيحات التي اطلقها علماء الآثارحتى من أوروبا وأميركا للوقوف إزاء أكبر عملية تدمير وسطو على حضارة وتاريخ الشعوب في العصر الحديث، إلا اننا لم نجد تحركات حكومية تتناسب مع حجم الضرر وحجم الكارثة . ومع تقديرنا لبعض الجهود المخلصة والخيره ألتي قامت بها هيئة الآثار العراقية وبعض الاوساط ذات العلاقة في هذا المجال إلا أن تلك المحاولات والخطوات تعترضها الكثير من الصعوبات والتعقيدات حاليا في ظل وجود عجز حكومي وفوضى تعم البلادعلى كافة المستويات .في حديث له على قناة الحره الفضائيه مساء 19/4 أشار السيد (عباس فاضل زبن ) مدير حماية المواقع الآثرية العراقيه إلى أن (الاثار العراقية وبالذات المواقع الاثرية خضعت ولا تزال لعمليت نهب غير مدروسة وعمليات تخريب وتهريب لهذا الارث الحضاري العظيم تحت مرأى ومسمع أكثر المسؤولين في المحافظات ) ومن ضمن ماذكره أيضاً ان الجهات الحكوميه وحتى القضاة يخشون من اصدار أحكام بالمتلبسين واللذين تثبت إدانتهم ،والمحقق يخاف كذلك لان هناك جهات دولية تقف وراء عصابات التخريب والسرقه والتهريب وتدعمهم . ويبدو لنا ان هذا الامر غير مستغرب في ظل الاوضاع المعروفة التي يعيشها العراق حاليا . ومن هنا يمكن لنا ان نتصور حجم المأساة.
انتهاك صارخ للاعراف والقوانين الدولية
ان ما قامت به القوات الغازية يشكل انتهاكا لكل المواثيق والاعراف الدولية والقانون الدولي ، وأن من واجب تلك القوات حماية تلك الممتلكات والمحافظه على الأرث الثقافي والحضاري للشعوب ، ومثل تلك العمليات - السرقة والتهريب والتد مير والنبش الخ - تتعارض مع اتفاقية (لاهاي ) لسنة( 1907 ) ولسنة (1954) وغيرها . والممتلكات الثقافيه حسب ما جاء في اتفاقية لاهاي تشمل (الممتلكات المنقولة والثابتة ذات الاهمية الكبرى لتراث الشعوب الثقافي كالمباني والأماكن الأثريه والمخطوطات والكتب وكل الأشياء ذات القيمة الاثريه والتاريخية وكذلك المباني المخصصه لحماية الممتلكات الثقافية نفسها كالمتاحف ودور الكتب ومخازن المخطوطات وغيرها ذات العلاقة والتي تتطلب بموجب تلك الاتفاقيات الوقاية والاحترام والحماية المتواصله وقت السلم والحرب وعدم تعريضها للتدمير أو التلف وتحريم سرقتها ونهبها أو تبديدها ، وتحريم أي عمل تخريبي موجه ضد تلك الممتلكات )، وأن من واجب قوات الاحتلال أن تدعم جهود السلطات الوطنية المختصة في المناطق الواقعه تحت الاحتلال في سبيل وقاية ممتلكاتها الثقافية والمحافظة عليها . ولآنها مسؤوله مسؤولية مباشره عما حصل فهي مطالبة - والحالة تلك - أن تساهم في عملية إعادة كل ماسرق،وأن تبذل كل ما في وسعها من أجل ترميم ما دمر .سيما وأن الكثير من مواد تلك الاتفاقيات تحظر - كما اسلفنا - ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهه ضد الاثار التاريخية والأعمال الفنية وأماكن العباد ه التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب . وفي عام 1970ايضاً تبنى المؤتمر السادس عشر لليونسكواتفاقيات بشان التدابير الواجب اتخاذها لمنع استيراد وتصدير ونقل الممتلكات الثقافيه بطرق غير مشروعة ،وفي روما عام (1995) أوصى المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشان القطع الآثريه المسروقة أو المصدرة بطرق غيرقانونية وغير مشروعه بضرورة رد الممتلكات الثقافية المسروقة وإعادتها.أضف لذلك أن قرار مجلس الامن (1483/مايو/2003) أوجب حماية التراث العراقي من خلال منع تداول الممتلكات التراثية أو الثقافيه أو الحضارية أو التاريخية أو الاثرية التي أخُذت بشكل غير قانوني من المتحف الوطني العراقي أو المكتبة الوطنية أو أماكن أخرى. ان المعالم الحضارية والنفائس والأثار والمقتنيات وغيرها هي ليست ملك للعراقيين فقط و إنما هي ملك للبشرية جمعاء في ظل وجود تفاعل وتواصل للحضارات نتغنى به وننشده دائما . وان تدمير الأثار والمعالم الحضارية وأماكن العبادة أو الاعمال الفنيه وغيرها يقصد به حتما القضاء على هوية الشعب المستهدف وعلى تاريخة وثقافتة ومعتقداته وايمانه بغية محو كل أثر لوجوده وحتى لكينونته . وفي ظل الخراب والدمار والسرقه ألتي تتعرض لها مواقعنا الأثريه ومعالمنا الحضارية فإننا نسأل:هل يريدوننا أن نعيش بدون حضارة وبدون تاريخ ؟ سؤال نترك الاجابة عليه لمن يهمه الامر .ولمن هو غيور على هذا البلد العريق. |